فهرس الكتاب
لقد تشرب محمد عبده الأفكار (الثورية) (التهييجية) من شيخه الأفغاني -كما سبق- وآمن بها، ولم يكن يعارضه فيها، وهذا من المآخذ العظيمة عليه، حيث كان يعلم -وهو الشيخ الأزهري- عدم شرعية هذه الطريقة (9) ؛ وهي تأليب الشعب والعامة على ولاة أمورهم، وتجرئتهم عليه بنشر معايبه، وكان الأولى به أن يقف في وجه انتشار هذه الأفكار الثورية، وأن يسلك الطريق الشرعي الذي سنه الله ورسول صلى الله عليه وسلم في هذا الأمر؛ وهو مناصحة الحاكم فيما أخطأ فيه وانحرف، وتقديم المقترحات النافعة للبلاد لتتخلص من
مشاكلها، والصبر على جور الحاكم وأثرته، كما قا صلى الله عليه وسلم:"خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، ويصلون عليكم وتصلون عليهم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم"قيل: يا رسول الله! أفلا ننابذهم بالسيف؟ قال: لا، ما أقاموا فيكم الصلاة، وإذا رأيتم من ولاتكم شيئاً تكرهونه فاكرهوا عملهم ولا تنزعوا يدًا من طاعة" (10) وقا صلى الله عليه وسلم:"عليك السمع والطاعة في عُسرك ويُسرك، ومنشطك ومكرهك، وأثرةٍ عليك" (11) ."
(1) …انظر أسماءهم في:"تاريخ الأستاذ الإمام" (1/46) .
(2) …تاريخ الأستاذ الإمام (1/40) .
(3) …السابق (1/47) .
(4) …الأفغاني، صفحات مجهولة من حياته، للدكتور محمد الحداد، ص 98. وقد نقل في كتابه ترجمة عنحوري للأفغاني كاملة.
(5) …جمال الدين الأفغاني ، ص 27.
(6) … رائد الفكر المصري: الإمام محمد عبده، ص 22.
(7) … جمال الدين الأفغاني وإشكاليات العصر، ص 67.
(8) …منهج المدرسة العقلية الحديثة ، ص 124.
(9) …يقول محمد عبده:"إننا سلفيون أشعريون أو ماتريديون" (الأعمال الكاملة،1/614) (وانظر: الماتريدية، للشمس الأفغاني 1/335) . ومن المعلوم أن الأشاعرة والماتريدية يوافقون أهل السنة في مسألة الخروج على السلطان. وتنبه إلى أن الأشاعرة والماتريدية ليسوا من أهل السنة -كما يزعم محمد عبده- إلا فيما وافقوا فيه أهل السنة، فيقال: وافقوا أهل السنة في كذا.
(10) …أخرجه مسلم (3/1481) .
(11) …أخرجه مسلم (3/1467) .
فكان الواجب على محمد عبده الشيخ الأزهري أن لا تأخذه العاطفة فينساق مع تلكم الأفكار الضارة التي لا تزيد الأمر إلا شدة وسوءً وضررًا. كما هي سنة الله الثابتة في هذه القضية على مدار التاريخ الإسلامي. قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-:"وقل من خرج على إمام ذي سلطان إلا كان ما تولد على فعله من الشر أعظم مما تولد من الخير" (1)
وقال:"إن ما أمر به صلى الله عليه وسلم من الصبر على جور الأئمة وترك قتالهم والخروج عليهم هو أصلح الأمور للعباد في المعاش والمعاد، وأن من خالف ذلك متعمدًا أو مخطئاً لم يحصل بفعله صلاح بل فساد.." (2)
المهم: أن محمد عبده سكت عن هذه الأفكار الثورية ولم يساهم في وأدها، بل غض الطرف عنها، وتعاطف معها، إلى أن نمت وتعاظمت، حتى كانت نهايتها قيام جهلة العسكريين بقيادة أحمد عرابي بثورتهم ثم (خروجهم) على ولي أمرهم (3) ، الأمر الذي دعاه -وهو ضعيف الدين والعقل- أن يستعين بعدوه وعدوهم (إنجلترا النصرانية) في سبيل إخماد هذه الثورة والحفاظ على ملكه وكرسيه، فما كان من (إنجلترا) -المستعدة لمثل هذا الأمر!- إلا أن لبت النداء ونزلت بجيشها إلى أرض مصر، وقضت على (الثوريين) بقيادة عرابي، ثم طاب لها المقام هناك! فلم تخرج من أرض مصر إلا بعد أكثر من سبعين عاماً !!! فانطبق على محمد عبده وعرابي ومن معهم المثل القائل: (أراد أن يبني قصرا فهدم مصرا) !، فهم أرادوا إنكار ظلم وجور الحاكم بطريقتهم الثورية الخرقاء التي ورطهم بها الأفغاني؛ فتسببوا في ضياع بلادهم وتسليمها لقمة سائغة للنصارى، فكانوا كالمستجير من الرمضاء بالنار. نسأل الله العافية، وأن يجعل من هذه الحادثة عبرة لأبناء الإسلام لكي لا يندفعوا خلف الأفكار الثورية التي تدغدغ العواطف في بداية أمرها، ولكنها سرعان ما تسيل الدماء بدل الدموع في نهايته. (إن في ذلك لعبرة لأولى الأبصار) (4) .
نهاية ثورته:
قبض على محمد عبده بعد إخماد ثورة عرابي نظراً لتعاطفه معه ومؤازرته له، فكان نصيبه من الأحكام السجن، ثم النفي خارج البلاد المصرية. وقد نال غيره نصيبهم من الأذى والانتقام.
محمد عبده والانقلاب من (الثورية) إلى (العصرانية) :
(1) …منهاج السنة (4/527-528) .
(2) …السابق (4/531) .