فهرس الكتاب

الصفحة 14943 من 27364

أحس ولاة الأمر (8) وعلماء البلاد بخطورة ما يقوم به هذا القادم الغريب، مما لمسوه من انتشار أفكاره الثورية بين بعض الأفراد مما يشكل خطراً على أمن البلاد ووحدتها؛ فقرر الحاكم (الخديو توفيق) بمشورة من العلماء نفي الأفغاني وطرده من البلاد لئلا يزداد شره، وذلك عام (1879م) . أي بعد سبع سنوات من قدومه.

يقول تلميذه محمد عبده متحسراً بأن الخديو"أظهر سروره مما فعل، وتحدث به في محضر جماعة من المشايخ على مائدة الإفطار في رمضان" (9)

(1) …منهج المدرسة العقلية الحديثة ، ص 112-113.

(2) …السابق، ص 137. وإنشاء محمد عبده لهذه الجمعية يعد تنفيذًا عملياً لأفكار شيخه الأفغاني الذي يقول عنه الدكتور أحمد القاضي بأنه"أول من جهر بالدعوة إلى التقريب بين الأديان من الإسلاميين في العصر الحديث" (دعوة التقريب بين الأديان: دراسة نقدية في ضوء العقيدة الإسلامية، 1/398) ثم نقل الدكتور شيئاً من أقوال الأفغاني الشنيعة في هذا الموضوع. وانظر أيضاً:"الأفغاني"لأبي رية، ص 72-77.

(3) …عبد العزيز جاويش ، ص 12.

(4) … كان أهم انحراف تعيشه البلاد هو قضية الديون المتراكمة عليها للأجانب بسبب إسراف وفساد الخديوي إسماعيل .

(5) …الأعمال الكاملة لمحمد عبده (1/479) .

(6) …كقوله لهم -كما سبق-:"إنكم معاشر المصريين قد نشأتم في الاستعباد، وربيتم بحجر الاستبداد، وتوالت عليكم قرون مذ زمن الملوك الرعاة حتى اليوم وأنتم تحملون عبء نير الفاتحين، وتعنون لوطأة الغزاة الظالمين، تسومكم حكوماتكم الحيف والجور…. الخ" (تاريخ الأستاذ الإمام 1/46) .

(7) …يقول الدكتور محمد الحداد:"عند إقامته في مصر شجع جمال الدين الأفغاني أصحابه على نشر الصحف، وكان هو الساعي لاستصدار تراخيصها (الامتياز) ، والموجه لسياستها التحريرية…" (الأفغاني: صفحات مجهولة من حياته، ص75) . وانظر أثر الأفغاني في إنشاء كثير من الصحف المصرية عن طريق مريديه: كتاب"الصحافة المصرية وموقفها من الاحتلال الإنجليزي"للدكتور سامي عزيز. ومن تلك الصحف: (التجارة) ، (مصر) ، (أبو نظارة) ، (مرآة الشرق) ، وغيرها، مع العلم أن أكثر القائمين عليها نصارى ويهود !!.

(8) … المنحرفون! -كما سبق-، ولكن هذا الانحراف يعالج بالنصيحة والصبر، لا بالتهييج والثورة التي تُفسد أكثر مما تُصلح كما سيأتي.

(9) …الأعمال الكاملة (1/493) .

لقد طُرد الأفغاني ولكن بعد أن بذر بذرة الفساد في أرض مصر، وبعد أن تلقفت عقول بعض السُذج والحمقى أفكاره معتقده أن فيها صلاح البلاد، ولكنها -كما سيأتي- قادتهم إلى الهلاك والخسار بسقوطهم محتلين في يد أعداء الإسلام من الإنجليز الذين كانوا يتحينون الفرصة في شق صف البلد المسلم؛ حتى يسهل عليهم احتلاله .

رحل الأفغاني عن مصر ولكن أفكاره المفسدة بقيت تعمل في العقول إلى أن بلغت نهايتها بقيام الثورة العرابية على الحاكم المسلم بقيادة أحد المتأثرين بالأفغاني (وهو أحمد عرابي) ومعاونة من بقية تلاميذ الأفغاني، وعلى رأسهم محمد عبده وعبد الله النديم (خطيب الثورة!) وغيرهم (1) ، فاستغلت بريطانيا الوضع وتدخلت تحت دعوى حماية الأجانب والدفاع عن الحاكم الشرعي!، واحتلت البلاد وقضت على الثورة، ولم تخرج إلا بعد سبعين عاماً تقريباً !!

فانظر -رعاك الله- واعتبر بمآل الأفكار الثورية العاطفية.

يقول محمد عبده:"كان السيد ! جمال الدين كثير التطلع إلى السياسة، شديد الميل إلى الحرية، قوي الرغبة في إنقاذ المصريين من الذل.." (2) !

قلت: بل نقلهم من ذل المسلمين إلى ذل الكافرين !

وقال سليم العنحوري النصراني تلميذ الأفغاني ! في ترجمته لشيخه بعد أن ذكر شيئاً من خطبه الثورية:"وأخذ القوم يشكون من حكومتهم، متململين، ويتطاولون بأعناقهم إلى ما يقول مشرأبين، ومذ ذلك الحين طارت الشرارة الأولى من شرارات الثورة العرابية" (3) .

وقال -أيضاً-:"كان روح الثورة قد امتد في القطر، بحيث لم يكن إجلاء الأفغاني إلا ليزيده سرياناً وانتشارًا" (4) .

ويقول أبو رية عن الثورة العرابية:"إن هذه الثورة قد شبت من تعاليم جمال الدين" (5) .

ويقول الدكتور عثمان أمين:"ليس هناك شك في أن لجمال الدين يدًا في الحركة العرابية" (6)

ويقول الدكتور مجدي عبد الحافظ -وهو معجب بصنيع الأفغاني!-:"إن الثورة العرابية لم تكن إلا غرسًا طيبًا من تعاليم الأفغاني" (7)

محمد عبده:

أما محمد عبده، فهو أبرز تلميذ للأفغاني، تعرف عليه وهو في عمر صغير يبلغ الثانية والعشرين، فصادفت أفكار الأفغاني قلباً خالياً فتمكنت منه. فأصبح عبده يرددها ويبشر بها من حوله .

يقول الدكتور فهد الرومي:"لئن كان السيد ! جمال الدين الأفغاني هو المؤسس لهذه المدرسة، فإن محمد عبده هو الذي أقام صروحها ودعا إليها، ونشرها بين الناس، فكان بحق هو صاحبها وهو أستاذها وإمامها الأول، فكان له من الأثر فيها ما لم يكن لأستاذه" (8) .

وقد فاق عبده شيخه في مسألة تطويع الإسلام وتشكيله بما يوافق حضارة الغرب وثقافته، نظراً لخلفية عبده الدينية التي افتقدها الأفغاني .

محمد عبده (الثوري) :

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت