فهرس الكتاب
مثال ذلك أيضاً: قوله للمصريين:"إنكم معاشر المصريين قد نشأتم في الاستعباد، وربيتم بحجر الاستبداد، وتوالت عليكم قرون منذ زمن الملوك والرعاة حتى اليوم وأنتم تحملون نير الفاتحين، وتعنون لوطأة الغزاة الظالمين… تناوبتكم أيدي الرعاة ثم اليونان والرومان والفرس ثم العرب والأكراد والمماليك ثم الفرنسيين والمماليك والعلويين (13) ، وكلهم يشق جلودكم بمبضع نهمه، ويهيض عظامكم بأداة عسفه" (14) فالمسلمون -عند الأفغاني- لم يكن فتحهم لمصر في سبيل نشر للإسلام ودعوة العباد إليه، إنما هم مجرد عرب ظالمين كغيرهم من الفاتحين.
(1) …الأعمال الكاملة للأفغاني (2/344) .
(2) …السابق (2/347) .
(3) …السابق (2/349) . وانظر أيضا:"الأفغاني"لأبي رية، ص 112-118
(4) …مجلة العربي الكويتية، عدد 42، ص 73.
(5) …منهج المدرسة العقلية، ص 91. وقد سار تلاميذ مدرسته على هذا الأمر؛ وهو الدعوة إلى نهضة (الشرق) . يقول عبدالعزيز جاويش:"إن الشرق برمته كتلة واحدة لا يسلم منه جزء إلا بتماسكه هو وغيره.." (عبد العزيز جاويش، لأنور الجندي، ص7) .
(6) …الأفغاني، لأبي رية ، ص 47.
(7) …دعوة جمال الدين الأفغاني في ميزان الإسلام ، ص 238.
(8) …انظر لإثبات هذا الأمر بالأدلة:"دعوة جمال الدين الأفغاني في ميزان الإسلام" (ص 161 وما بعدها) .
(9) …مقال:"صلات أرنست رينان مع جمال الدين الأفغاني"للأستاذ محمد حميد الله، نشر في مجلة الفكر الإسلامي، السنة الثانية، العدد الثاني، ذوا الحجة 1390هـ .
(10) …السابق.
(11) …السابق .
(12) …السابق. والغريب أن الأستاذ محمد حميد الله بعد نقله هذه الأقوال بنصها من المجلة الفرنسية، ادعى أن رينان كذبها على الأفغاني لتشويه صورته !!!. وفاته أن محمد عبده تلميذ الأفغاني قد حرص في خطاب له إلى شيخه على عدم ترجمة رده على رينان بسبب هذه الأقوال الشنيعة التي تدين الأفغاني، بل توقعه في الردة عن الإسلام -والعياذ بالله- . انظر صورة رسالة محمد عبده لشيخه في كتاب الدكتور فهد الرومي، ص162-164.
(13) …أي أسرة محمد علي باشا .
(14) …تاريخ الأستاذ الإمام، لرشيد رضا، (1/46-47) .
4-ومما يشهد لذلك أيضاً -كما يقول الدكتور فهد الرومي-:"هذا الخليط من اليهود والنصارى الذي يحيط به، سليم نقاش من نصارى الشام وهو ما سوني، … وأديب إسحاق من أكثر الدعاة إلى الماسونية … وكان من المحيطين به من النصارى: جورج كوتجي، وطبيبه الخاص هارون يهودي. ولم يحضر وفاته إلا كوتجي النصراني وهارون اليهودي، وعند قدومه إلى مصر يسكن في حارة اليهود" (1)
5-ومما يشهد لذلك أيضاً: إنشاء تلميذه محمد عبده في بيروت"جمعية سياسية دينية سرية هدفها التقريب بين الأديان الثلاثة: الإسلام والمسيحية واليهودية" (2) وقد اشترك معه في ذلك خليط من المسلمين وغير المسلمين.
كل هذه الأدلة تشهد على أن الأفغاني كان من الداعين إلى"الفكرة الشرقية"في مواجهة"الاستعمار الغربي"، وأما أمر الأديان فلم يكن يلقي له بالاً إلا ما يفيده في فكرته هذه .
فملخص دعوته كما يقول أنور الجندي:"الحرية، والدعوة إلى الحكم النيابي والدستور، والتخلص من النفوذ الأجنبي المتمثل في سلطان الدولة الأجنبية المقنع وراء الامتيازات الأجنبية والسيطرة على الاقتصاد والارساليات، والتحرر من الاستبداد السياسي المتمثل في حكم الفرد ونفوذ الخديو وحاشيته" (3) .
أما حكم الإسلام لديار المسلمين والتزامهم بشريعته، فهذا لا يأتي في اهتمامات الرجل، بل إنه كما سبق يرى أن الإسلام من الأديان المستبدة الخانقة للحرية!! ويعني بها حرية الكفر التي يسميها: الفلسفة .
هاتان وجهتا نظر في حقيقة الأفغاني وأهدافه، ولعل الثانية منهما أصوب من الأولى نظراً لقوة أدلتها لمن تأمل .
ماذا فعل الأفغاني بأهل مصر ؟ !
عندما قدم الأفغاني مصر زمن الخديو إسماعيل (1871م) كانت البلاد تعيش في انسجام وألفة بين الرعية وولاة أمورهم، ولا يمنع ذلك من وجود الانحراف (4) الذي كان يعالج من خلال النصيحة الشرعية التي يقوم علماء البلاد المتمثلين في شيوخ الأزهر. وكان للبلاد مجلس شورى يتم من خلاله التشاور حول ما يتعلق بالشئون الداخلية والخارجية (5) .
ولكن هذا الوضع (الشرعي) للبلاد لم يُرض الأفغاني (العصراني) (الثوري) الذي رأى فيه ذلاً واستكانةً للحاكم المنحرف، ورأى أن حل مشاكل البلاد لا يكون بما يقوم به شيوخ الأزهر ومناصحاتهم. إنما يكون من خلال الثورة (وتهييج) الناس على ولاة أمرهم. وقد سعى إلى ذلك من خلال دروسه التي كان يلقيها على مريديه (6) ، ومن خلال الصحف والمجلات التي سعى كثيراً إلى إصدارها عبر تلاميذه، وحثهم على نشر أفكاره فيها، وكلها تدور حول الثورة وما يسميه زورًا بالحرية! (7)