قبل أن نتناول الموضوع بتفصيل وتحليل واستدلال ينبغي أن نمهد بإيراد نماذج تاريخية تلقي الضوء على الجذور التوظيفية لهذه النزعات الطائفية لدى المخزن، ثم بتوضيح الأساليب الاستعمارية المعتمدة في هذا الأمر، مستطردين بما هو واقع الحال بعد الاستقلال، وآفاق المآل لهذه المؤامرات الهادفة إلى تمزيق وحدتنا، وتنصير أبنائنا، وتحويل قبلتنا.
التفرقة العرقية سلاح للترويض والإخضاع:
إن التفرقة وبث الفتنة بين القبائل كان سلاح المخزن الأمثل لترويض المغاربة، وإخضاعهم والقضاء على ثوراتهم ضد الظلم والفساد، يحتوي بعض سكان السهول لضرب ثوار السهول والجبال معًا، ويوقع الفتنة بين قبائل عرب السهول أنفسهم فيسلح البعض منهم، ويحرضه على الآخرين، فيقاتل بعضهم بعضًا، وينهب بعضهم بعضًا، ويستبيح بعضهم دماء بعض وأمواله، ويبقى المخزن حكمًا وحارسًا لوحدة مزيفة، وأمن مزعوم.
إلا أن هذا الأسلوب أثبت فشله على مر السنين، إذ سرعان ما كان المغاربة يكتشفون اللعبة، فيتحدون مطالبين بالعدل والكرامة والحرية، وينضمون إلى بعضهم تحت راية الإسلام والوحدة، فيدفعون ثمن ذلك ضروبًا من القمع والإرهاب والتشريد، ولما عجز المخزن لم يجد بدًا من حماية نفسه بارتهان الوطن كاملًا لدى جيش الجنرال ليوطي الغازي.
يقول المؤرخ أحمد الناصري2:"فلما كانت سنة إحدى وثمانين وألف غزا المولى رشيد بلاد السوس فاستولى على تارودانت رابع صفر من السنة، وأوقع بهشتوكة فقتل منها أكثر من ألف وخمسمائة، وأوقع بأهل الساحل وقتل منهم أكثر من أربعة آلاف، وأوقع بأهل قلعة إليغ، وقتل منهم بسفح الجبل أكثر من ألفين".
ويقول أيضًا3:"ثم دخلت سنة خمسة وتسعين وألف فخرج السلطان في العساكر إلى جبال فازاز لحرب صنهاجة من البربر هناك، فلما سمعوا بخروجه إليهم انهزموا إلى ملوية، وأنزل السلطان بقلعة آزرو ألف فارس، وبقلعة عين اللوح خمسمائة فارس، فأخذوا بمخنقهم، واستراح الناس من عيثهم ببسيط سايس، ولما منعوا من السهل، وانقطعت عنهم الميرة - أي الزاد -، وقلت الأقوات خشعوا، ونزل وفدهم، وقدموا مكناسة على السلطان تائبين، فأمنهم على شرط دفع الخيل والسلاح، والاشتغال بالحرث والنتاج، فدفعوها عن يد وهم صاغرون، وهؤلاء هم آيت إدراسن"
ويقول4:"وصعد السلطان الجبل - أي جبل فازاز - من الناحية الغربية، فأول من قدم عليه من برابرته بالطاعة زمور وبنو حكم فولى عليهم رئيسهم بايشي القبلي، فاستصفى منهم الخيل والسلاح، ثم تجاوزهما إلى المال فاستصفاه أيضًا.."
ويقول5:"ولما كانت الليلة المعينة لم يرع البربر إلا رعود المدافع، والمهاريس تصعق في الجو، ونيرانها تنقدح في ظلمات الليل، وأصداء الجبال تتجاوب من كل ناحية، فقامت عليهم القيامة، وظنوا الأرض قد زالت عنهم، وزحفت عليهم عساكر السلطان من باقي الجهات، واشتد القتال فانهزموا، وتفرقوا في الشعاب والأودية شذر مذر، فقتل رجالهم، وسبيت نساؤهم وأولادهم، ونهب أثاثهم، وحيزت مواشيهم وأنعامهم، واستلبت خيلهم، واستحر القتل والنهب فيهم ثلاثة أيام والعساكر تلتقطهم من الأودية والشعاب، وتستخرجهم من الكهوف والغيران، وكان عدد رؤوس القتلى ينيف على اثني عشر ألفًا".
ويقول6:"فقدم عليه7 مع جماعة من المجاهدين أهل الريف من طنجة فوق المئة ومعهم زوجة الباشا أحمد الريفي وولداه منها، فقدمت هدية عظيمة، فقبض السلطان الهدية، وقتل الولدين ومن معها من أهل الريف، ثم قتل معهم ثلاثمائة من بني حسان قدموا عليه للتهنئة".
ويقول8:"ورد الخبر بأن ركب الحاج - أي حجاج بيت الله الحرام - قد وصل إلى تازة وهو محصور بها، فاستغاث أهل فاس بالبرابرة ليأتوهم بإخوانهم، فخلصوا الركب الذي بها - ركب الحجاج -، وقدموا بهم إلى فاس، فدخلوا باب الفتوح، ونزل البرابرة والحياينة بالزيتون...، وفي أثناء ذلك أغار عليهم جيش الوداية فقضوا عليهم، وقتلوا منهم كثيرًا، فأمرهم السلطان أن يعلقوا رؤوسهم على سور قصبة شراقة ففعلوا...".
وفي العصر الحديث سلط الجنرال أوفقير ضابط المباحث العسكرية الفرنسية سابقًا الجيش المغربي على قبائل الريف في مذبحة رهيبة قتلاها بالآلاف، أما أسراها فقد جمعوا في ركن من الغابة، وناداهم أوفقير واحدًا واحدًا ليعطيهم الأمان، وقبل أن يطلب منهم الانصراف ركضًا لم يكن ينسى أن يخص كل واحد منهم برصاصة في رأسه.
لعل هذه المواقف القمعية المتطرفة ضد هذه الفئة المؤمنة تثير العجب لدى البعض، ولكن العجب يزول إذا ما عرفنا أن جريمة هؤلاء المستضعفين الوحيدة هي تشبثهم بالحرية والوحدة، والعقيدة والكرامة والأرض، في مواجهة محاولات مصادرة الوحدة والحرية، والعقيدة والكرامة والأرض.