فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 27364

ولعل في المثال التالي وهو قطرة من بحر خير دليل على ما نذهب إليه: ذلك أنه في مستهل القرن العشرين ثار المغاربة ضد السلطان عبد الحفيظ، فاستنجد بالجيش الفرنسي - كما ذكر ذلك كل المؤرخين وفي مقدمتهم محمد غريط الذي أرخ للحادث بقوله9:"كتب الثائرون إلى المولى عبد الحفيظ بالوعيد والتهديد باحتلال فاس الجديد، فأيقن أنهم يفعلون ما يقولون، وبأن لهم قوة بها يستطيلون ويصولون، فاضطر للدفاع عن الحضرة العلية بجنود الدولة الفرنسوية...""...ولهذه الاضطرابات والانقلابات السريعة التي كادت تترك الناس فوضى، وتصير الدولة مطمعًا؛ بسطت الدولة الفرنسية على المغرب حمايتها، وسددت لرؤوس الفتنة رمايتها، فعادت الأمور إلى انتظامها، والدولة الشريفة إلى عزها وإعظامها"10.

وعندما استنكر علماء مراكش ما فعله السلطان عبد الحفيظ، واحتجوا على الاستعانة بالجيش الاستعماري الفرنسي كتب إليهم موبخًا متوعدًا مهددًا بقوله11:"...وقد بلغ لعلمنا الشريف ما يتفوه به بعض الثرثارين الذين يدعون التفقه بين الجدران والأساطين من تهويل أمر الاستعانة بالفرنسيين، فالمتحقق في حالة هؤلاء البربر لا يرى الاستعانة بالغير في حقهم محظورة، إذ البرابر كأسنان المشط في مخالفة الشرع التي هي أفظع صورة، فالاستعانة عليهم ليست إلا لاستنقاذ حرمات الله، وهذا لا يوجد في الشرع عنه ناه..."، وفي ثنايا هذه الرسالة يكشف صراحة عن نظرة الاستعلاء التي ينظر بها إلى الثوار بقوله:"...وعاملناهم معاملة بني آدم مع أنهم ليسوا من هذا القبيل"12.

هذه النظرة الاستعلائية على المواطنين استنبتت في الحاشية والأعوان والمقربين بعد سقوط الأندلس، والاستعانة بنخبة من مهاجرتها الذين كانوا بطانة وأعوانًا للأنظمة الفاسدة التي سلمتها للفرنج، ولما استخدموا من طرف المخزن عملوا على الاستئثار بالسلطة، واستبعاد أصحاب الأرض من المواطنين، وتحريض السلاطين عليهم.

ثم لما استقر الأمر للفرنسيين، وأمن المخزن غائلة الثوار؛ كتب السلطان عبد الحفيظ إلى العلماء يهنئهم بهذه المكرمة قائلًا13:"...فجرفتهم - أي الثوار - جنود القوة المرتجلة - أي الجيش الفرنسي - التي استبطؤوها، وشردتهم،... وأعلمناكم بهذا أن لله في طي قدرته نعمًا لا تحصى، وتأخذوا حظكم من الفرح والسرور..."، وبذلك انغمر مغاربة المخزن في حظهم من الفرح والسرور على حساب التفريط في الأرض والعرض، والدين والكرامة كما وصف ذلك محمد غريط بقوله:14"وحسنت الأحوال بعد زوال تلك الأهوال، فألوى الناس إلى خضراء الدمن15، وذهب بعضهم في اللهو والبطالة كل مذهب، وتآخوا على الفاحشة وبئس الإخاء، وسخوا ولكن فيما يحرم فيه السخاء، وصاروا في يوم الجمعة كما كان أهل الأندلس يوم السبت يفعلون أفاعيل أصحاب الطاغوت والجبت، واختلاط النساء بالرجال متعطرات متبرجات كأنهن بكل ناظر متزوجات، ومعاطاة الكؤوس على المقابر كأنما أعيد عصر الجاهلية الغابر..."

لقد حقق المخزن غايته باستتباب أمنه ورفاهيته، فهل حقق الاستعمار الفرنسي غايته المعلنة قبل الاحتلال والمضمرة؟

أهداف الفرنسيين من الاحتلال وأساليبهم:

تزعم السلطة الفرنسية أن هدف جنودها من تدخلهم في المغرب سنة 1912م هو القضاء على الفوضى، وحماية النظام، وتطوير البلاد وأهلها، مما تم بموجبه عقد مقايضة بينها وبين المخزن تضمن به بقاءه في مقابل وضع اليد الفرنسية على كامل التراب المغربي، ثم اقتسامه مع الإسبان، وتطويره في إطار الأهداف الفرنسية المعلنة، وفي هذا يقول المؤرخ الفرنسي تيراس16:"وفي مستهل القرن العشرين أصبحت الأسرة العلوية مهددة من كل الجهات لما اندلع من فوضى وثورة، ومن ثم كان لزامًا على القوات الفرنسية أن تتدخل لإنقاذ السلطان وعاصمته فاس من ثورة القبائل، وفي اليوم الثاني لبسط الحماية على المغرب تمكنت قوة عسكرية أخرى من صد حملة مرابطية جديدة قادمة من موريطانيا بقيادة الشيخ الهيبة".

فهل اكتفى الفرنسيون بتحقيق هدفهم المعلن هذا، أم كانت لهم أهداف أخرى مضمرة أشمل وأوسع، وأبعد خطرًا؟

إن الاستعمار الفرنسي لم يقدم قط لحماية النظام السياسي المغربي، ولا لنشر الهدوء والأمن والتطور، بل قدم وفي برنامجه أن يحول البلاد وأهلها عن الإسلام ولغة القرآن (العربية) ، ويقتطع المنطقة بكاملها عن أمتها، ويربطها نهائيًا بالغرب الصليبي كنيسة وعادات، وتقاليد وأخلاقًا وأعراقًا، وفي هذا يقول ويلفريد ناب17:"وكتب ليوطي بنفسه قائلًا:"إنه ليس من مهامنا تعليم اللغة العربية للسكان الذين لم يتعلموها، لأن العربية هي إحدى العوامل المتعلقة بالإسلام، لأنها لغة القرآن، وهدفنا هو تطوير البربر خارج إطار الدين الإسلامي"، كما اتبع هذا النهج، وعمل لهذا الهدف عدد من الفرنسيين الرسميين، والموظفين العسكريين؛ فشجعوا الأسطورة المختلقة التي تدعي بأن هوية البربر تتميز عن الهوية العربية، وأن أصل البربر قبل الإسلام يتضمن ارتباطهم بالمسيحية واليهودية".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت