فهرس الكتاب
وهذا الاتجاه هو بلا شك اتجاه تنويري: ولكنه اتجاه تنويري إسلامي بالدرجة الأولى، وهو اتجاه تجديدي، بمعنى أنه يسعى إلى تجديد الدين وإحيائه عقيدة وشريعة ومنهج حياة، وهو اتجاه تحديثي، بمعنى أنه يريد أن يعيش العصر الحديث في إطار أصوله الثابتة الراسخة، وهو لذلك يؤمن بالتغيير والتطوير، ولكنه التغيير والتطور في الأشكال والأساليب والأدوات في إطار علاقة تأثيرية متبادلة ومتفاعلة بين الثوابت والمتحولات وبين الخالد والمؤقّت وبين الفطري الدائم والاجتماعي العارض، بحيث لا يكون التطور تحريفاً ومسخاً وانفلاتاً، ولا يكون الثبات جموداً وتحنطاً على شكل واحد وأسلوب واحد، وهي إشكالية ليست سهلة كما يُظن، بل تحتاج إلى بصيرة وفقه ودين، وهي ِمَزَلّة أقدام وَمِضَلة أفهام.
ولذلك فإننا نفهم كيف حدثت بعض الأخطاء والشطحات عند بعض ممثلي هذا الاتجاه حتى طمع في تصنيفهم بعض"التنويريين"التغريبيين في خانة التنوير الوضعي العلماني اللاديني، ونزع إلى تصنيفهم بعض التنويريين الإسلاميين المحافظين في خانة التنوير التغريبي التحريفي: وأقصد بهؤلاء شخصيات كبيرة ورموزاً شهيرة كانت ولا تزال موضع جدل وتجاذب، أمثال:
رفاعة الطهطاوي، و جمال الدين الأفغاني، والشيخ محمد عبده والشيخ عبد الرحمن الكواكبي وسعد زغلول وقاسم أمين وطه حسين وعلي عبد الرازق ومحمد حسين هيكل باشا، وخير الدين التونسي، والشيخ الإمام محمدالطاهر بن عاشور صاحب"تفسير التحرير والتنوير"والكتاب العظيم الرائد"مقاصد الشريعة الإسلامية"، والأستاذ علاّل الفاسي في كتابه المشهور"مقاصد الشريعة ومكارمها".
ومن الفترة المعاصرة كتّاب ومؤلفون من أمثال: محمد أسد، ومحمد فتحي عثمان، ومحمود الشرقاوي، والشيخ عبد الله العلايلي، والشيخ أمين الخولي، وجمال الدين عطية وحسن الترابي ومحمد عمارة وفهمي هويدي وغيرهم من أمثال: د.عبد العزيز كامل، و د.أحمد كمال أبو المجد، و د.راشد الغنوشي، و د.محمد سليم العوّا وغيرهم.
ولست هنا بصدد تصنيف هؤلاء أو أولئك ووضعهم في هذا الاتجاه أو ذاك، كما أنني لست بصدد الدفاع عن بعض هؤلاء، وإيجاد التفسيرات والمسوّغات لموقف هذا أو ذاك.
ولكنني أريد أن أؤكد على عدة نقاط يمكن أن تصلح دليلاً لنا في هذا الاتجاه:
1.تجنب سوء الظن وتجنب الحكم على النوايا دون دواعٍ قوية.
2.القبول بالاختلاف والتنوع في إطار الوحدة.
3.التأكيد على الالتزام بالفكر الديني عموماً وبالإسلام كدين موحى به بشكلٍ خاص.
4.التأكيد على الالتزام بالمرجعية الإسلامية طبقاً لأصول الإسلام وقواعده الأساسية.
5.الحكم على الإنتاج الفكري لكل شخصية بشكل متكامل دون اجتزاء أو ابتسار.
6.النظر إلى حياة كل شخصية على أنها حياة متصلة ومتطورة، واعتبار ما استقرت عليه هذه الشخصية في مراحل حياتها الأخيرة هو الأساس.
وفي إطار هذه المعايير نجد مفكراً إسلامياً تنويرياً *يستعرض إنتاج عدد من رموز التنوير في العالم الإسلامي الحديث ويبين براءتهم من فكر التنوير الغربي والتحريفي، ويدافع عنهم بحسب النظرة الكلية الشاملة لحياتهم وإنتاجهم وهم: رفاعة الطهطاوي و جمال الدين الأفغاني والإمام محمد عبده و الشيخ علي عبد الرازق والدكتور طه حسين والزعيم سعد زغلول، والدكتور محمد حسين هيكل باشا.
وأياً ما كان1*الأمر، فإنّ هذا الموضوع الشائك يستحق مزيداً من البحث والتأمّل والأناة ولا يجوز أن نتعامل معه بخفة وتسرّع وانفعال.
على أنّ هناك عشرات من رواد هذا الاتجاه التنويري الإسلامي على اتساع أقطار العالم الإسلامي، شهد لهم الجميع بالدين والعلم والإخلاص، وبأنهم فعلاً من رواد النهضة الإسلامية الحديثة والمعاصرة ومن رجال التنوير الإسلامي التجديدي الأصيل، وإن لم يخل بعضهم من بعض الانتقادات والتصويبات، بل والاتهامات بأنهم وقعوا في مطب المجاملة أو المسايرة أو التنازل أو تأثّروا بشكل أو بآخر، وفي القليل أو في الكثير، بمعطيات الحياة الحديثة ومظاهر الحضارة الغربية فسلكوا نزعة تحديثية تجاوزت حدود المشروع والمقبول في الفروع أو في الأصول.
رابعاً: التنوير الإسلامي التجديدي المحافظ:
وهو اتجاه إسلامي تنويري تجديدي بأكثر معاني التنوير الإسلامي حيْطة وحذراً خشية الانزلاق إلى نزعة تحريفية أو تطويعية تحت اسم التطور أو التحديث. والحقيقة هي أنّ هذا الاتجاه يمثل اتجاه التجديد بمعناه المأثور في الحديث النبوي الشريف [ إنّ الله يبعث لهذه الأمّة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها ] رواه أبو داوود في سننه عن أبي هريرة رضي الله عنه، ورواه الطبراني والحاكم والبيهقي، وهو حديث صحيح.