فهرس الكتاب

الصفحة 15118 من 27364

-إن (رابطة الدعاة) بهذا المعنى: هي التي يمكن أن تخاطب بلا قيود ولا حساسيات الشريحة الأكبر من قطاع المتدينين، وهي شريحة غير المنتمين.

-إنها بهذا المعنى: يمكن أن تخرج أجيالاً من طلبة العلم الشرعي غير الموجَّه حزبياً، أو المأسور رسمياً، أو المحصور إقليمياً؛ ومن ثم فهي قادرة بإذن الله أن تخرِّج منهم علماء أكفاء، علماء ملة، لا علماء دولة، يخاطبون الناس بلسان الإسلام العام، ويخاطبون أهل الإسلام بلسان أهل السنة ويخاطبون أهل السنة بلسان الانقياد والحياد... الانقياد في الاتباع، والحياد في مسائل الاجتهاد.

-وهذه الرابطة ـ بهذا المعنى ـ أنسب المحاضن لتنشئة قادة غير متعصبين، ومجاهدين منضبطين، ودعاة متجردين.

-وهي بهذا المعنى ستشكل شخصية اعتبارية لقيادة الأمة، تتوزع في كل أقطارها؛ بحيث تخاطب البناء التحتي، والنخب الفوقية، بل هي قادرة في كل موطن على أن تخاطب أهل السلطان بلسان الأمة؛ لأنها تحوي جميع عناصر المسلمين في الأمة، ولأنها لن تترك مجالاً لأحد أن يصنفها تمهيداً لعزلها، أو يشوهها تمهيداً لضربها، إلا إذا أصر المغرضون على أن يصنفوها تحت وصف أهل الدين في مقابل اللادينيين اللاأخلاقيين، وهذا يزيدها مصداقية.

-وإن (رابطة للدعاة) بهذا المعنى: ستملك حرية في التحرك، ومرونة في التصور، وقدرة على النزول إلى ساحات الأمة لمعرفة نبضها، ومداواة جروحها، ووضع التصورات لحل المشكلات؛ بعد أن ينظر فيها أصحاب الشأن وأهل التخصصات.

-إنها مع كونها (رابطة للدعاة) ؛ فسيظل قادتها وبركتها هم العلماء؛ فالعلماء هم خاصةُ الدعاة؛ لأن كل عالم داعية، وإن كان كل داعية ليس بالضرورة عالماً، ومع هذا؛ فتلك الرابطة ـ كما سبق البيان ـ مرحلة تمهيدية لإنشاء الولاية العلمية والمرجعية الدينية.

-بل إنني قد أتجاسر وأقول: إذا خلصت النيات، وتضافرت الجهود، وساد التجرد والأريحية وإنكار الذات؛ فقد نصل إلى صيغة ـ في وقت ما ـ تمهد لقيادة واحدة للأمة الواحدة كما أراد الله وشرع وأمر.

تخيل معي رابطة دعوية علمية فكرية علنية، تضم خلاصة أصحاب الخبرة والتجربة من الإخوانيين، وزبدة أصحاب القدرة على البحث والتأصيل من السلفيين، وصفوة الحكماء العقلاء من التبليغيين والجهاديين والحركيين، والنخبة من المفكرين والإعلاميين، ومن تحتاج إليهم الدعوة من الفنيين والمهنيين والمتخصصين، والمخلصين من الرسميين، وهي مع ذلك لا تستبعد إضافات العائدين إلى الحق ممن كانوا قوميين أو ليبراليين.

ولماذا لا؟!.. ألم يقل الله ـ تعالى ـ: {وَإنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ} [المؤمنون: 52] ، فلنتق الله ونبذل أسباب فريضة الاعتصام بحبل الله، كما أمر الله: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103] .

نعم.. {جَمِيعًا} .

معاً.. {جَمِيعًا} .

* تساؤلات مبكرة... وإضافات منتظرة:

-أعرف أن الكثيرين سيرون هذا الطرح حالماً، وقد يُصدرون فيه ـ قبل الإيضاح والاستيضاح ـ حكماً متسرعاً أو ظالماً، ولكن أقول: رويدك مهلاً!.. دعنا نتفق أولاً على المبدأ.. فإذا اتفقنا ـ ولا أظننا إلا متفقين على وجوب إيجاد قيادة للأمة ـ فإن كل التفاصيل .. كل العقابيل، كل الخطوات الإجرائية، والمحطات المرحلية، كلها تُدَبَّر وكلها تهون، ويمكن أن تُخضع للحوار والنقاش أياماً وشهوراً؛ فقد صبرنا على الخلل والفراغ عقوداً ودهوراً.

إننا في مرحلة أصبح لزاماً علينا أن ننظر في تغيير الخطط لمواجهة خطط التغيير، فخطط التغيير التي تواجه الأمة اليوم، لم يعد يصلح لها كل ما صيغ منذ عقود أو ما سطر من قرون؛ فالأوضاع مغايرة، والأجواء مختلفة والتحديات بالغة الصعوبة ولا بد من بداية جديدة.

إن تغيير الخطط للأمة لا يصلح له إلا طائفة على مستوى الأمة ومن جميع الأمة.

-سيتساءل كثيرون عن الآليات والمسؤوليات، وكيفية تجاوز العقبات والحساسيات، والموازنة بين الممكنات والمستحيلات، والحقائق والتخيلات في كل ما يتعلق بذلك المقترح، وسيسارع كثيرون بإبداء مشاعر الشفقة أن تُولَد بعض الأفكار خِداجاً ناقصة، أو يجيء بعضها مختزَلاً سريعاً، أو تغلب على الآخر روح العاطفة أو الحماسة الزائدة أو الظن الحسن في غير محله!

وأقول: كل هذا وارد وقابل للأخذ والرد، ولهذا سوف تكون لنا عودة ـ بإذن الله ـ للكلام عن هذه الموضوعات مما يسمح به المقام، وإلى أن يحين أوان ذلك؛ سأتقبل منك رأيك، وأعدِّل قولي بقولك، وأكمل ما نقص من علمي بما كمل من خبرتك، وما زاغ عنه فهمي بما بلغته حكمتك، فلا شك أن هناك العديد من الفراغات والنقاط التي تحتاج إلى تلاقح في الأفكار وتناصح في الدين.

وفي انتظار تعقيب أو تصويب، أو تعديل وتقريب؛ من خلال بريد البيان أو على صفحاتها.

{رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا} [الكهف: 10] .

(1) تفسير البغوي، (2/ 239) .

(2) تفسير ابن كثير، (1/ 568) ، طبعة الندوة العالمية.

(1) تفسير أحكام القرآن، لابن العربي، (1/ 472) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت