فهرس الكتاب

الصفحة 15117 من 27364

* رابطة الدعاة.. نواة لرابطة العلماء:

العالم الإسلامي يشكل كتلة مترامية الأطراف، متعددة المشكلات، متفاقمة الأخطار، ولكنه في الوقت نفسه ثري بالخبرات، غني بالمواهب الدنيوية والدينية، ومن المواهب الربانية لهذا العالم الإسلامي أن فيه آلافاً مؤلفة من الرجال المتميزين الصادقين الذين تعاهدوا على البذل في خدمة هذا الدين؛ دون مطمح دنيوي، أو هدف حزبي، أو غاية إقليمية أو عنصرية أو مذهبية، وهؤلاء هم جمهور المصلحين من أهل العلم والدعوة، وهؤلاء موزعون الآن بين جميع فصائل العاملين للإسلام من طائفة أهل السنة والجماعة، تلك الطائفة التي تسلمت منذ وُجدت أمانة حمل الحق وحمايته والدعوة إليه، والتي تتضاعف مسؤولياتها كلما استولى على المسلمين زمان الغربة أو دهمتهم أجواء الفتن: «لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله، لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم، حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس» (1) .

لا أشك في أن كل اتجاه من اتجاهات العمل الإسلامي، وكل جماعة أو جمعية أو هيئة أو منظمة؛ تضم في صفوفها الكثير والكثير من العقلاء والشرفاء والأمناء الذين يقدمون الانتماء إلى الأمة على الانتماء إلى الجماعة، والولاء للمسلمين على الولاء للحزب، ويقدمون الشريعة على الشعارات، وأخوة العقيدة على خُلة الجماعات والتنظيمات.

هؤلاء الأجلاء أينما كانوا وكيفما كانوا في أنحاء بلاد المسلمين هم خلاصة الأمة، وهم عدتها وعتادها، هم معدنها وجوهرها، ليسوا كلهم علماء، ولكنهم يعرفون قدر العلم والعلماء، قد يكونون ضعفاء، ولكنهم في ميزان الحق أقوياء أعزاء، بعضهم ـ بل أكثرهم ـ معوزون فقراء، ولكن غنى النفس يجعلهم في مصاف الأثرياء.. فيهم الفقهاء والعباد والمجاهدون، فيهم الأطباء والمهندسون والمدرسون، فيهم علماء الذرة، ومنهم أدباء الكلمة... فيهم المهرة المنظرون والمخططون، وفيهم النشطاء المنفذون، رجالاً ونساءً، ولا عجب من تنوع وتفاضل أصنافهم؛ فأهل الجنة أصناف وأصناف، تزيد على أهل الدنيا أضعاف أضعاف: {انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً} [الإسراء: 21] ، هؤلاء العقلاء في كل اتجاه إسلامي هم بضاعتنا المطلوبة، وغايتنا المقصودة، الأمة في حاجة إليهم اليوم؛ لتتكون منهم ـ على اختلاف تخصصاتهم ـ رابطة إسلامية دعوية عامة، لا حزبية ولا إقليمية ولا رسمية؛ بل رابطة أخوية عالمية احتسابية، لا يُطلب من أفرادها أن يتركوا مواقعهم، أويتخلوا عن أدوارهم فيما هم بصدده، ولكن المطلوب منهم أن يضيفوا إلى همومهم الدعوية الخاصة هماً عاماً يخص الأمة كلها، وانتماء عاماً لا يتعارض مع الانتماء الخاص ـ إن وُجد ـ وإنما يوجد له دور جديد في الرابطة العامة التي تفرضها الضرورة.

-إن تلك الرابطة ليست حزبية، ولكنها لا تنعى على الجماعات إلا التحزب الضار، أما التحزب على الحق وللحق؛ فشأن شرعي مطلوب؛ فأهل الحق حزب هو حزب الرحمن: {أَلا إنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُون} [المجادلة: 22] ، ولهذا فإن الرابطة المزمعة لا تأخذ من الحزبية إلا هذا المعنى المتجرد المشروع.

-وهي ليست رسمية، ولكنها لا تنكر أن قسماً كبيراً من الجهود الدعوية الرسمية لها أثرها ومفعولها، وهذا من عظمة هذا الدين الذي يثمر غرسه في أي أرض إذا سُقي من معين الإخلاص.

-وهي ليست إقليمية؛ لأن الإقليمية قد تكون قرينة العنصرية التي ليست من دين الله. ولكن رابطة الدعاة مع ذلك لا تنكر ما لبعض البيئات الإقليمية من خصوصيات مكانية؛ قد تفرض عليها بعض أشكال الاجتهادات والاختيارات التي قد لا تصلح لغيرها.

إن رابطة إسلامية متحررة من آثار الانتماء الحزبي الضيق، والالتزام الرسمي المتقيد، والارتباط الإقليمي المحدود، تملك قدرة عظيمة على اختراق الحواجز والسدود التي طالما أعاقت العمل الإسلامي فيما مضى من مراحل.

ومع تحرر تلك الرابطة من تلك القيود الثلاثة، إلا أنها ستضم حتماً ـ بإذن الله ـ أصلح العناصر الرسمية، وأعقل الموجودين في الجماعات الحزبية، وأخلص المنتمين لتجمعات إقليمية، لا لتقطعهم عن أدوارهم أو تفصلهم عن جهاتهم، لكن لتضيف إلى مهامهم الجزئية بُعداً كلياً عاماً لخدمة الأمة كلها، لا شريحة واحدة منها.

-إن (رابطة الدعاة) بهذا المعنى؛ هي التي يمكن أن تفرز رابطة حرة محتسبة من العلماء غير الحزبيين، ولا الإقليميين، ولا المحصورين في الرسميات الشكلية علماء يُشهد لهم بالعلم والعمل.

-إن (رابطة الدعاة) بهذا المعنى: هي التي يمكن أن تنشئ جيلاً من الدعاة غير المصنِّفين، أو المصنَّفين، الذين يُعَدّون دعاة من كل الأمة لكل الأمة، فيكونون بذلك أقدر على إيجاد رأي عام إسلامي فاعل؛ لاحترام الجميع لهم، وصدور الجميع عنهم.

-إن (رابطة الدعاة) بهذا المعنى: هي التي يمكن أن تمهد لوجود تيار إسلامي عام يجعل الانتماء للإسلام فوق الانتماء للافتات واليافطات والجماعات والأمكنة، وينهي بشكل طبيعي مرحلة التجمعات الجزئية التي استنفد الكثير منها الغرضَ من إنشائها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت