فهرس الكتاب
فإذا آل أمر هذه الأمة إلى أن تصبح بلا قيادة، بعد أن أصبحت بلا ريادة ولا سيادة؛ فإن المسؤولين عن ذلك سيُسألون أمام الرب ـ جل وعلا ـ عما فرطوا فيه وأحجموا عنه.
وهنا يبرز السؤال المهم: ما الذي يمنع هذه الأمة من أن تكون لها قيادتها العالمية، ومرجعيتها الاعتبارية في مثل تلك الظروف الخطرة والأجواء الاستثنائية؛ مثلما لليهود قياداتهم العالمية (المؤتمر اليهودي العالمي) ، وللنصارى زعامتهم الكونية (المجلس العالمي للكنائس) ، بل ولبقية المبتدعة من هذه الأمة مؤسساتهم القيادية ومرجعياتهم الدينية؟!
ويأتي الجواب الصعب: لا مانع؛ إلا أن لهؤلاء صفوفهم المتراصة وراء أهدافهم الموضوعة، ولنا صفوفنا الممزقة خلف خلافاتنا المصنوعة!
ثم يأتي سؤال أهم يحتاج لجواب أصعب، وهو: ما الذي يمنع صفوفنا من التراص، ومواقفنا من الاجتماع على كلمة سواء، مع أن الله ـ تعالى ـ تعبَّدنا مع التوحيد بالتوحُّد، ومع الصلاة والزكاة والصيام، بالاجتماع والاعتصام؟
لا جواب على ذلك إلا أن قيادتنا الاعتبارية العامة مفقودة، ومرجعيتنا العلمية الموحدة غير موجودة، أو موجودة ولكنها غير مجموعة؛ ولهذا كانت غير مسموعة.
بديهيات العقول تقول: لا سفينة بلا ربان... ولا معركة بغير قيادة، ولا نصر بلا اعتصام؛ ولا عزة مع الفُرقة ففيم الإصرار على خطأ عُرف خطره، ولِمَ الإقامة على منكر عُلِمَ إثمه؟!
لقد بلغ أمر تنفير القرآن من الفُرقة، أن جعلها من شعار الكفار، فقال الله ـ عز وجل ـ: {وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [آل عمران: 105] ، وجعل التنازع قرين الفشل فقال: {وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} [الأنفال: 46] .
إنك لو سألت أي مهتم بأمر المسلمين: هل يجوز لجماعة من جماعات المسلمين أو كيان من كياناتهم أو شعب من شعوبهم، أن يمضي بلا رأي ولا راية ولا ولاية؟ لبادرك بالقول: هذا لا يصلح في صحيح العقول؛ فكيف يصح في مقاصد النقول؟!
للأسف الشديد؛ فإن هذه حال الأمة في مرحلتها الراهنة، بعد سقوط المراهنة على الزعامات «الملهمة» ، والقيادات «الحكيمة» ، والزعامات «التاريخية» !
إن مما يحز في النفس أن نرى أن الأنظمة العلمانية كلها أصبحت آيلة للسقوط، أو في حكم السقوط، إلا أن البديل الإسلامي ـ وللأسف الشديد ـ غير جاهز، بل غير موجود!! فهل أسرفنا في الحديث عن (الصحوة) حتى صحونا على واقع يقول: إن صحوتنا لم تبلغ بعد سن الرشد، بل سن البلوغ الذي يؤهلها لاستلام دفة المسؤولية في تلك المرحلة البالغة الخطورة؟!
أعرف أن هذا ليس وقت التأسف والأسى، وليس زمن التشكي والتباكي، ولهذا أعرِض رأياً، وأُسهِم بقول، وأُدلي بنصيحة ـ فالدين النصيحة ـ غير زاعم فيها سبقاً، ولا محتكر فيها صواباً.
* دعوة لأهل الدعوة:
أُثْبِتُ ابتداءً أن كثيراً من الفضلاء والعقلاء والعلماء دعوا منذ وقت طويل إلى صيغ جديدة لإنشاء قيادة علمية عالمية، تمثل مرجعية دينية وقت النوازل لعموم المسلمين، وقد بدأ بعضها متواضعاً، وتعثر بعضها متسارعاً، وسار بعضها الثالث بثبات، ولكن في طريق تتناوشه الأخطاء والأخطار.
وفي رأيي المتواضع أن هناك ثلاثة من تلك الأخطاء والأخطار تتهدد جُل تلك المشروعات الإصلاحية الطموح، تتركز حول ثلاث مفردات ضارة؛ طالما ضارت جهود المصلحين وأضلت سعي الكثيرين، وهي: الحزبية، والرسمية، والإقليمية؛ ذلك الثالوث المدمر المسؤول عن عرقلة أكثر خطط التغيير الإسلامي الصادق، وتعطيل أكثر مشاريعه البنائية والإصلاحية.
لقد طُرحت ـ ولا تزال تطرح ـ مشاريع لتشكيل هيئة عالمية من العلماء تتخصص في بحث نوازل الأمة، وتمسك بزمام المبادرة في التوجيه والترشيد، إن لم يكن في التخطيط والترتيب، وهي مشروعات لا نرى أنها صدرت إلا عن قلوب سليمة، وآراء ناصحة، وعقول ناضجة، ولهذا فسوف ينفع الله ـ تعالى ـ بها أصحابها والأمة كلها في يوم من الأيام، ولكن في الوقت نفسه؛ أرى أن هناك من العوائق والعراقيل ما يمكن أن يطيل أمد تحقيق هذا الأمل؛ فالتركيز على أن تكون هذه الهيئة، أو تلك المؤسسة أو الجمعية، في إطار معين من العلماء فقط، أو من اتجاه بعينه فقط، أو في مستوى شكلي أو رسمي أو إقليمي فقط؛ سيضعف ذلك الكيان، وسيضاعف من العقبات الموضوعة في طريقه، ويزيد من المدة الكافية لنضوجه ونهوضه للقيام بالمهام العظام الموكل بها، إن لم يعطلها كلياً عن الوصول.
أرى ـ وبصراحة تامة ـ أن حالة العلماء الراهنة في العالم الإسلامي؛ تحتاج إلى جهد جبار لإخراجها من حيز السلبية إلى فضاء الإيجابية، ليس لسوء ظن فيهم، ولكن فيمن يحاصرونهم ويخادعونهم ويعطلونهم عن أداء مهمتهم الربانية في قيادة الأمة منذ دهور طويلة وعلى امتداد العالم الإسلامي، لا أجدني في حاجة إلى التفصيل في هذا الأمر المعروف التفاصيل.
لهذا أقترح أن يُبدأ في إقامة هذا الواجب الكفائي العظيم بداية مرحلية تمهد للمرحلة النهائية، وتتميز عنها بسهولة الآلية، ويسر الحركة، وسرعة الإنجاز.