فهرس الكتاب
ولأجل هذين العهدين جُعلت (ولاية الأمر) شرعة من الشرائع، تحفظ بقية الشرائع بتضافر أهل العلم وأهل الحكم. قال ابن العربي: «الصحيح عندي أنهم الأمراء والعلماء جميعاً؛ أما الأمراء فلأنهم أهل الأمر، والحكم إليهم. وأما العلماء فلأن سؤالهم واجب متعين على الخلق، وجوابهم لازم، والتزام فتواهم واجب» ، ثم زاد الإمام ابن العربي الأمر توضيحاً، عندما بيَّن أن ولاية الأمراء تؤول في النهاية إلى ولاية العلماء، وبخاصة إذا اختلف حال الأمراء عن حالهم في عصور قوة المسلمين من حيث الجمع بين العلم بالدنيا والفقه في الدين.
وأورد ابن العربي عن الإمام مالك قصة تدل على أنه كان يرى أن الولاية كلها رجعت إلى العلماء بضعف الأمراء، فقال: «قال مطرف وابن مسلمة: سمعنا مالكاً يقول: هم العلماء. وقال خالد بن نزار: وقفت على مالك فقلت: يا أبا عبد الله! ما ترى في قوله ـ تعالى ـ: {وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ} ؟ قال: وكان محتبياً فحل حبوته، وكان عنده أصحاب الحديث، ففتح عينيه في وجهي، وعلمت ما أراد، وإنما عنى أهل العلم» ، ثم علق ابن العربي على تلك القصة بقوله: «والأمر كله يرجع إلى العلماء؛ لأن الأمر قد أفضى إلى الجهال، وتعين عليهم سؤال العلماء، ولذلك نظر مالك إلى خالد بن نزار نظرة منكرة؛ كأنه يشير بها إلى أن الأمر قد وقف من ذلك على العلماء، وزال عن غيرهم لجهلهم واعتدائهم، والعادل منهم مفتقر إلى العالم كافتقار الجاهل» (1) .
لا أقصد هنا تفصيل القول في الراجح من هذه المسألة، ولكن أريد الإلماح إلى ما ألمح إليه الإمام مالك من تنقل الأدوار بحسب اختلاف الظروف والأطوار، بما يضمن ألا يوسد الأمر لغير أهله.
إن العلماء لن يتحولوا ـ بداهة ـ إلى رجال حكم وسياسة، ولكن المقصود هنا أن يؤول إليهم ضبط الحكم وتوجيه السياسة، انطلاقاً من ثوابت هذا الدين الذي تستمد منه لا من غيره شرعية أهل الحكم والسياسة.
لقد كانت أمتنا عبر عقود طويلة، في صراع دام ودائم في معظم أقطار العالم الإسلامي بين أهل السلطان وأهل القرآن، حتى حسم الطغاة في الأزمنة الأخيرة المعركة لصالح سلطان بلا قرآن، ونصبت العلمانية خيامها الثقيلة الغليظة على جُل ربوع المسلمين، تحادّ الدين في بلاده، وتحارب التوحيد في مواطنه، وتنفرد بالقيادة والريادة دون أهل العلم والعدل والعبادة، وأصبحت ديكتاتورية لُكع ابن لُكع، أو ديمقراطية الرويبضات التوافه؛ هي صاحبة الحل والعقد واليد الطولى في التخطيط المتخبط، والتصدي المرتجل المرتجف في مواجهة التحديات.
لا أريد الإطالة في مظاهر الفوضى التي عمت شؤون الأمة الإسلامية والعربية بسبب شغور موقع القيادة العامة على مستواها؛ لأن هذا أصبح أمراً معاشاً وحياة مفروضة، ومأساة نقاسيها، لا يعلم إلا الله متى ترتفع غمتها وتنزاح أيامها!
إننا لو تأملنا عناصر القوة في هذه الأمة؛ لوجدناها كلها تُفَرَّغ من مضمونها بذلك الفراغ القاتل في القيادة العلمية الموحِّدة لكلمتها، والموجِّهة لسياستها، والمنظِّمة لعلاقتها، والدافِعة لقوتها في الدفاع أو الهجوم؛ بحسب الضوابط المستمدة من شريعة الله.
إن غياب القيادة القائمة بهذه الشريعة على مستوى الأمة قد أبطل أثر هذه الشريعة في الارتفاع بأمتنا إلى العزة والتمكين، فصارت الشريعة لا تحكم إلا بعض مظاهر الحياة الفردية للناس؛ تماماً كما أرادت العلمانية بزعاماتها المزعومة.
لا أريد أيضاً أن أُكثر في الكلام على أهمية اجتماع الكلمة وراء مَنْ ولاَّهم الله أمر هذه الأمة من أهل العلم والأمانة والدعوة؛ فذلك أمر بدهي عند كل مسلم غيور. ولكني أريد أن نتجاوز مرحلة التأطير والتنظير إلى محطة ـ ولو صغيرة ـ من التحرك والتفعيل؛ انطلاقاً من رؤى موضوعية لا تجافي الواقع، ولا تروم المستحيل، ولكن تهدف إلى معالجة شرعية لتلك القضية التي طال حومنا حولها دون دخولنا في حلها.
* البداية البدهية:
عندما تكون النوازل عامة، والمشكلات ملمة؛ فإن المبادرات الفردية، والحلول الجزئية لا تزيد الأمر إلا تفاقماً، وهنا تبرز الحاجة إلى رأي صادر عن قيادة جماعية، أو جماعة قيادية، تستنزل البركة باجتماع الكلمة، وتستجلب الصواب بالتماس الأسباب؛ أسباب التوفيق والتسديد والمقاربة.
أوضح هذا فأقول: إن غياب الرأي الجماعي المبني في الإسلام على العلم والشورى والتجرد؛ يعد تفريطاً في فريضة ـ بل فرائض ـ شرعية محكمة. وحرمان أمة يبلغ تعدادها اليوم ملياراً وثلث المليار من البشر من آراء حكمائها وعلمائها وأهل النصح فيها، مع ما تواجهه من خطوب وعظائم تستهدف إذلالها أو إزالتها؛ هذا الغياب وذلك الحرمان يعد إجراماً في حق هذه الأمة، خاصة أنها ليست كأي أمة؛ إنها خير الأمم، وصاحبة خير الرسالات، والمسؤولة عن أعظم الأمانات: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة: 143] ، {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران: 110] .