فهرس الكتاب

الصفحة 15114 من 27364

-واقع جديد، أصبحت فيه ثروات الأمة في أكثر البلدان مهددة بالخروج كلية من تحت تصرفها، لتنتقل من أيدي السفهاء الذين آتتهم الأمة أموالها التي جعلها الله لها قياماً، إلى أيدي الأعداء الذين يبغون عليها بأموالها، حرباً وسلاماً.

-واقع جديد أصبح فيه تغيير مناهج التعليم سيفاً مسلطاً على الأجيال الحاضرة والقادمة لتضييعها، بعدا أن ساهمت المناهج الحالية في مسخها وتمييعها.

-واقع جديد أصبح فيه العمل الإسلامي مكشوفاً بكل حركاته ومؤسساته، وبجميع برامجه وإنجازاته ليوضع في مرمى الاستهداف اليهودي والنصراني والوثني والعلماني في جميع أنحاء العالم.

هذه كلها أخطار، أو عناوين عريضة لأخطار تكفي لأن تكتب في بعضها عشرات المقالات، وتوضع في شأنها العديد من الكتب والمؤلفات، وتعقد لأجلها الندوات والمؤتمرات؛ ولكن هذا ليس هو المقصود تفصيله، وإنما أريد هنا أن أتحدث عن أمر آخر وقضية أخرى أراها أخطر من كل تلك الأخطار؛ لأنها سبب مهم في كل تلك الأخطار.

* أم المخاطر:

وأعني بها: ذلك الشغور المخيف والفراغ المروع في موقع القيادة الجماعية لأمتنا الإسلامية في تلك الظروف المصيرية؛ حيث تواجه كل تلك التحديات والمؤامرات الممتدة منذ عقود طويلة بلا خطط للتصدي، ولا برامج للمواجهة، ولا استراتيجية بعيدة ولا متوسطة ولا قريبة المدى؛ تستطيع بها أن تدافع عن حصونها من الداخل فضلاً عن حمايتها من الخارج.

عندما أتحدث عن ذلك الشغور المخيف والفراغ المروِّع في موقع القيادة؛ فإنني لا أقصد تلك القيادات السياسية المتنافسة إقليمياً ومحلياً، أو الزعامات المتنازعة في الجماعات ظاهراً وباطناً، ولا أقصد أيضاً أصحاب المناصب العلمية، والوظائف الرسمية في المؤسسات الإسلامية.. ولكن أقصد تلك الولاية الشرعية العلمية العامة التي استرعاها الله أمانة قيادة الأمة كلها، وتَعَبَّدَ تلك الأمة بالاجتماع حولها والصدور عن رأيها وتوحيد الكلمة خلفها؛ إذا وقعت النوازل وانتشرت الفتن وكثر الاختلاف، إنها تلك القيادة التي أمر الله بالرد إليها بعد الرد إلى الرسو صلى الله عليه وسلم في قوله ـ تعالى ـ: {وَإذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إلَى الرَّسُولِ وَإلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء: 83] .

إنهم كما قال المفسرون: أهل الرأي والحكمة، وكما قال ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ: «الفقهاء والعلماء الذين يُعلِّمون الناس معالم دينهم» (1) .

الأمة اليوم تتخبط في مواطن الخوف، وتخوض في مواضع الخطر، ولكنها مع ذلك تسبح في الموج المتلاطم بلا رُبَّان، بل بلا سفينة! لا على المستوى السياسي العام للأمة، ولا على المستوى العلمي العام لها، بل السائد والمحصلة أننا أمة بلا قيادة موحدة منذ زمن طويل؛ فكيف يكون هذا حال أمة أمرها الله بعد طاعته وطاعة رسوله بطاعة ولاة يلون أمرها كلها؛ وذلك في قوله ـ تعالى ـ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ} [النساء: 59] ؟! إن ولاة الأمر المقصودين هنا ـ كما قال ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ: «هم أهل الفقه والدين» (2) ، وكذا قال مجاهد وعطاء، والحسن البصري وأبو العالية.

كان أهل العلم والحكم في مبدأ الإسلام غير منفصلين، أو كانوا على الأقل متكاملين؛ فالعلماء يُبيِّنون، والأمراء يبنون على بيان العلماء، أما إذا ابتُلي الناس بعلماء لا يُبينون، وحكام لا يمتثلون؛ فهنا تضيع الأمة، وتقع نهباً لمكايد الشياطين، {وَلَوْ رَدُّوهُ إلَى الرَّسُولِ وَإلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إلاَّ قَلِيلاً} [النساء: 83] .

لقد أخذ الله على العلماء عهداً أن يبينوا للناس ما يأمر به دينهم؛ وبخاصة عندما تلتبس الأمور وتتفاقم الفتن: {وَإذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ} [آل عمران: 187] ، وأخذ الله ـ تعالى ـ أيضاً على الحكام أن يحكموا بمقتضى الشريعة التي يبيّنها العلماء، وينتهوا عن اتباع الأهواء، فقال ـ سبحانه ـ: {يَا دَاوُودُ إنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} [ص: 26] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت