فهرس الكتاب

الصفحة 15123 من 27364

تواكب صدور هذه الدعوة مع تحرك غربي جارف لفرض ما أُسمي بالإصلاح أو التطوير الديني على المسلمين والإسلام كوسيلة مزعومة لعلاج التطرف والإرهاب الذي قيل إنه ينشأ بين ظهرانيهم نتيجة لمناهج التعليم الديني الخاطئة ومفاهيم الدعوة والفكر المعوجة. وفي مقابل هذه الأخطاء الإسلامية المدعاة بدأت دوائر الغرب السياسية والثقافية وحتى الكنسية والأمنية والاستخباراتية تطرح مفاهيمها الخاصة لإصلاح الإسلام ديناً وفكراً، وهي العملية التي احتلت مركز الصدارة وسط الحملة العسكرية السياسية على ما أسموه بالإرهاب، وظهرت في هذا الصدد سياسات ملموسة تمثلت في إصدار التوجيهات التي لا ترد لأنظمة هنا وهناك في بلاد إسلامية بغلق المعاهد الدينية الإسلامية، أو ضمها إلى نظام التعليم غير الديني، أو فرض تبني مناهج هذا التعليم الأخير، أو تغيير مناهجها بالكامل لإدخال محتوى «دنيوي» عليها ليحل محل المحتوى الديني. وكانت الهجمة على نظام التعليم الديني الإسلامي بأكمله، وعلى مناهجه ومحتواه وأهدافه مفهومة في إطار الهدف الأكبر وهو تغيير عقل المسلمين وتغيير بنية الإسلام نفسه باعتبار ذلك النظام الوسيلة التي يتواصل بها الدين وينقل عبر الأجيال، والأداة التي توجه الدعوة الإسلامية وترسخ لهذا الدين في بنية المجتمعات الثقافية والفكرية والشعورية.

وترافق مع هذا التحرك طرح غربي آخر يدعو إلى نشر وتعميم أو بالأصح فرض وإدخال تجارب جديدة وضعت نتائجها نماذج «للإسلام الإصلاحي» بحيث تصبح هي الأنظمة المسيطرة والموجهة والوحيدة السارية في سائر البلدان الإسلامية، ومما ذكر في هذا الصدد ما أسمِيَ بالتجربة الأتاتوركية التي ابتدعت «الإسلام العصري العلماني» وهو الذي يراه الغرب النموذج الوحيد الصالح الآن لإعماله في البلاد الإسلامية بغرض نقلها من التخلف إلى الحداثة، وإدماجها في العولمة أو النظام العالمي الجديد، وإنقاذها بالطبع من التطرف والإرهاب، بل بدأت الحكومة التركية ومعها دوائر أمريكية تروج بالفعل لنقل هذه التجربة العلمانية القحة المغرقة في العداء للإسلام لتطبق في أفغانستان مثلاً أو حتى باكستان باعتبارها نموذجاً للإسلام الإصلاحي أو المعتدل أو العصري، وفي السياق نفسه طرحت التجربة التونسية العلمانية ممثلة ليس فقط بممارسات الحكومات التونسية ضد أوضاع الإسلام التعليمية والاجتماعية على مدى العقود الماضية، وإنما كذلك بكتابات بعض الكتاب التونسيين المتفرنسين التي أصبحت في السنوات الأخيرة توصف بالإسلام التقدمي، وتُرَوَّج على اعتبار أنها الوسيلة المضمونة لعلمنة وتغريب الإسلام تحت مسمى إصلاحه وتطويره وعصرنته، بل وصل الأمر في هذا الصدد أن أخذت دوائر سياسية أوروبية في بريطانيا، وفرنسا، وإيطاليا، وألمانيا وغيرها تطرح تصوراً يقول بأن عناصر من ذوي الأصول الإسلامية الذين هاجروا إلى الغرب وأندمجوا وذابوا في مجتمعاته وتشربوا مجمل القيم والأفكار والتصورات الغربية هم الأجدر بأن يصبحوا من خلال ممارساتهم وكتاباتهم النموذج الذي يجب أن ينقل إلى البلاد الإسلامية ليحتذى ويقلد على زعم أن هؤلاء قد خرجوا من خلال وضعهم الفريد هذا بصيغة عصرية حديثة مطورة من الإسلام صالحة للعيش والتأقلم مع المجتمع الحديث (أي الغربي) وأنهم بذلك الأجدر بنقل الشعوب الإسلامية من التخلف إلى الحداثة وروح العصر.

واتخذت المسألة أبعاداً أقرب إلى الهزل واللامعقول عندما بدأت بالفعل عناصر من أشخاص ذوي أصول إسلامية لكنهم تغربوا بالكامل وتعلمنوا تفد إلى البلاد الإسلامية أو ترسل بكتاباتها وأفكارها إلى المنابر الإعلامية والثقافية وحتى الدينية في تلك البلاد لكي يجري «تقليد» ومحاكاة وتبني هذه الأفكار والتصورات باعتبارها النموذج الأسمى «للاجتهاد» الإسلامي العصري رغم أنها تلغي الإسلام بطابعها المفرق في العلمنة والتغريب. وفي تطور موازٍ أخذ الإعلام الغربي «يكتشف» أن هناك داخل وخارج البلدان الإسلامية مفكرين وكُتَّاباً هم كذلك أصحاب باعٍ في تطوير وإصلاح وتجديد وتغيير وعصرنة وتحديث الإسلام، وأنه يجب على الدول الغربية أن تشجعهم وترفع من شأنهم بالتلميع الإعلامي والدعم المالي والسياسي (كما اقترح مدير معهد جوتة الألماني الثقافي التابع لوزارة الخارجية الألمانية) حتى يمكن فرض أفكارهم بدورهم على الأوضاع الدينية والاجتماعية والفكرية في البلاد الإسلامية، وذكرت في هذا المجال أسماء بعينها من مصر وبلدان المغرب العربي، ثم من المقيمين والمهاجرين في أوروبا وأمريكا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت