فهرس الكتاب
وكان الهدف الأكبر ـ وما يزال ـ من وراء هذه التحركات المحمومة والمتنوعة والواسعة النطاق التي نشهدها في الآونة الراهنة هو إحداث تغيير جذري حاسم في البنية الفكرية العامة للإسلام عقيدة وشريعة وقيماً وممارسة يؤدي في النهاية كما نلمح إلى ثنائية العلمنة والتغريب؛ بحيث يخرج الإسلام من هذه العملية مسخاً مطوعاً للتآلف والانضواء تحت منظومة العالم الغربي فاقداً لتميزه وتفرده وهويته ومفرغاً من مضمونه الحقيقي؛ مما يعني نهايته كدين، وتحوُّل أتباعه عنه. ومن المخزي أن هذه الخدعة الكبرى تجري تحت شعارات جذابة براقة مثل الاجتهاد والتجديد والاستنارة وما أشبه، وينجرف وراءها الآن نفر من العلماء والرؤساء الدينيين المعينين إما جهلاً أو عمداً في سعي وراء مكاسب دنيوية معروفة، غير أن هذه التحركات الغربية التي أشرنا إليها تعاني من ضعف قاتل يشل فاعليتها ويطعن في مصداقيتها؛ فمن الشذوذ البالغ أن يجد الناس أن من يتولى كبر الدعوة إلى إصلاح وتصحيح الإسلام والاجتهاد فيه عناصر أجهزة الاستخبارات والأمن الغربية ودوائر السياسة والإعلام والكنائس هناك، ولا يقل عن ذلك شذوذاً أن يجد الناس في بلدان المسلمين وبشكل مفاجئ أن غلاة العلمانيين واللادينيين والمتغربين في وسطهم ممن لم يعهد عنهم في يوم من الأيام أدنى اهتمام أو شغل بالهم والفكر الإسلامي (إلا من حيث الهجوم الدائب على الإسلام) هم الآن الأعلى صوتاً والأكثر نشاطاً في الدعوة إلى ما يوصف بأنه الاجتهاد الفكري وحتى الفقهي والإصلاح الديني... إلخ، وهنا نصل إلى السبب المباشر والجوهري وراء دعوة تجديد الخطاب الديني كما أطلقتها تلك الدوائر الرسمية من داخل البلد المسلم العربي.
ذلك أن الدوائر الغربية النافذة ورغم تمسكها بتحقيق هدف مسخ وتشويه الإسلام من خلال التحركات التي ألمحت إليها والتي تمسك بزمامها أدركت أنه لا بد لضمان تحقيق هذا الهدف على نحو أفضل أن تتولى عناصر من داخل البلدان الإسلامية نفسها، ويفضل أن تكون من المنتسبين إلى العلم الديني (العلماء والمشايخ) وتكون لها الصدارة في هذه العملية بعد استقطابها لضمان قدر ولو ضيل من المصداقية أمام الجماهير، وحتى لا يقال إن الإسلام قد جرى «تحديثه» و «إصلاحه» على يد الاستخبارات والشرطة الغربية، أو على يد اللادينيين والصليبيين وحتى اليهود.
ومن هنا انطلقت دعوة التجديد للخطاب الديني لتكون الذراع الداخلي للتحرك الخارجي ومن هنا جاء غموضها وإبهامها وعدم وضوحها المتعمد (هل هي تجديد في اللغة واللهجة، أم في المضمون؟ وهل يمكن الفصل بين الاثنين؟ وهل هي تغيير في المصطلح؟ وهل لا يؤدي تغيير المصطلح إلى تغيير المفاهيم؟) .
خرجت هذه الدعوة معيبة بسبب المناخ الذي أُطلقت فيه ومصدر وأسلوب طرحها؛ ولذلك شابها الإبهام والتخبط إلى حد أن بعض مروجيها اضطروا للتأكيد على أنهم لا يقصدون بها إحداث تغيير أو تلاعب في ثوابت الإسلام؛ وكأنهم بذلك يدفعون تهمة شعروا أنها لا بد موجهة إليهم.
وكان الفاصل في إلقاء الشبهة على هذه الدعوة هو استخدام مصطلح «الخطاب» الذي يحتمل معاني كثيرة من مجرد الأسلوب اللغوي بمفردات المعجم وتراكيب الجمل والصور البلاغية... إلخ إلى مجمل الأفكار والآراء والتصورات الواردة في فكر فرد أو جماعة أو مذهب أو دعوة ما.
وقد سعى طارحو الفكرة إلى الإبهام بأنما هم يقصدون القسم أو المعنى الأول دون أن يجرؤوا حتى على القول بأي هدف يريدون تجديد الخطاب الديني؛ لأنهم لا يجرؤون على الإعلان بأنهم يرمون إلى نشر الدعوة الإسلامية بهذا التجديد؛ لأن الإسلام مرفوض في عصر العولمة الأمريكية والحملة على «الإرهاب» .
لكنهم في الواقع كانوا يقصدون المعنى الثاني لكلمة «الخطاب» بحيث يعني تجديده تغييراً شاملاً لمضمون ومحتوى الإسلام. والأدهى من ذلك أن عملية تجديد الخطاب الديني بهذا المعنى الذي لم يُقَل للجماهير أُوكلت للعلمانيين وغير الثقات ممن ينتسبون بشكل واهٍ للعلم الديني مما يكمل دائرة الشر في مرمى وسياق هذه الدعوة.
(*) أستاذ الأدب الإنجليزي، كلية الأداب، جامعة القاهرة.
تغيير الخطط في مواجهة خطط التغيير (2)
فقه الوفاق .. متى نحييه..؟!
د. عبد العزيز كامل
أصبح الإجماع الدولي على استهداف الإسلاميين أمراً محيراً، وأصبح انحياز الملحدين إلي جانب النصارى، وانسجام النصارى مع اليهود، وتلاقي اليهود مع الوثنيين، واتفاق أهل النفاق مع كل هؤلاء على ضرب الإسلام وإذلال المسلمين؛ من المحن الدهماء، والفتن التي تدع الحليم حيران، فحتى الدعوات السلمية، والجهود الخيرية، والمقاومات المشروعة للاحتلال في مثل فلسطين والشيشان والفلبين والعراق وأفغانستان، أصبح كل ذلك محرَّماً مجرَّماً، ومعارضاً مطارداً!