فهرس الكتاب
إنه إجماع غير مسبوق للاعتداء على المسلمين؛ فقد كان الأعداء يتناوبون ذلك الاعتداء على بعض الأطراف ولكنهم يَدَعون بعضها، ويصادمون بلداً ويصالحون آخر، أما اليوم فهم مجمعون ومجتمعون على الحرب والضرب في كل حدب وصوب {أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ} [الذاريات: 53] .
ولكن دهشتنا وحيرتنا، وانزعاجنا واستغرابنا من ذلك (الإجماع والاتفاق) لا يدانيه في الدهشة والانزعاج، والحيرة والاستغراب، إلا ما يقابله ما يشبه (الإجماع) ـ من هؤلاء المستهدَفين ـ على عدم الاجتماع، من شِبه الاتفاق منهم على عدم الاتفاق. لا أقصد على مستوى الزعامات والقيادات فقط؛ فذلك أمر قد كثر الكلام فيه، وسبق التعرض له، ولكن أقصد على مستوى القواعد العريضة، والبُنى التحتية لهؤلاء الإسلاميين المستهدَفين.
انظر حولك ترَ عجباً: جهوداً مبعثرة، وإمكانات مهدرة، مع صفوف متناثرة، وقلوب متناكرة!.. ما هذا يا أمة الإسلام؟! أفي مثل ذلك الليل البهيم نظل نسهر على التخاصم والتنافر، وننام على التنازع والتدابر؟! أين الصف المرصوص، أين قلب الرجل الواحد، وتداعي الجسد الواحد، وخفض الجناح ولين الجانب، والتآخي والتصافي والتراحم والتواد؟! حقاً لقد صنع الشقاق والجفاء منا غثاء، حتى تعاوت علينا كلاب الأرض، وتعاونت علينا ذئابها، وصدق فينا قول الرسو صلى الله عليه وسلم: «يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة على قصعتها، قالوا: أوَ مِنْ قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال: لا، بل أنتم كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل» (1) ، نعم نحن كثير كثير.... ولكن الشقاق والجفاء حوَّلنا إلى ذلك الغثاء.
* هناك مشكلة:
لقد وُفقت الصحوة الإسلامية في تجاوز عقبات كثيرة في أثناء مسيرتها في العقود الأخيرة، فأحرزت إنجازات، وانتزعت نجاحات، واختطت طريقها وسط كثير من العراقيل والعقابيل بتوفيق وسداد.
ولكننا يجب أن نعترف أنها أخفقت... نعم أخفقت في تأمين الحد الأدنى من وحدة الأمة، بتقصيرها في بذل الحد الأدنى من العوامل «الشرعية» لوحدة هذه الأمة، لا على المستوى العام فقط، بل على المستوى الخاص أيضاً مستوى الإسلاميين العاملين.
إنني أزعم أن هناك قسماً كبيراً من الشريعة التي نتنادى بتطبيقها وإقامة أحكامها، نقوم ـ نحن الإسلاميين ـ إلا من رحم الله ـ بتجافيه والإهمال فيه، وهو ذلك القسم الذي يشمل الأحكام والهدايات والآداب التي تتضمن تأليف القلوب وتوحيد الصفوف؛ فوحدة هذه الأمة منهجياً وقلبياً، مطلب من مطالب الشريعة كبير، ومقصد من مقاصد الإصلاح عظيم، ولا أدري؛ كيف خلت مناهج أكثر الجماعات الإسلامية ـ إن لم تكن كلها ـ من مراعاة تحقيق ذلك المقصد في الواقع العملي؟! صحيح أنه كانت هناك دائماً مساحة للكلام على (الوحدة الإسلامية) من الناحية النظرية، ولكنها من الناحية العملية كانت توظف ـ في الغالب ـ لصالح الوحدة الحزبية أو الفكرية أو التنظيمية، ولن أدلل على ذلك بأكثر من شهادة الواقع على ذلك، مما يعرف الجميع تفاصيله.
* معاتبات (أخوية) :
* «المسلم أخو المسلم» (1) هذه مقولة نبوية، وشِرعة إلهية، وهي مع ذلك بدهية أولية من بدهيات الإسلام، ليست من مسائل الخلاف الوعر أو البحث الدقيق. ولكن تعالوا ننظر في واقعنا ـ نحن الإسلاميين ـ: هل ينظر كل منا إلى الآخر هذه النظرة، وهل يطبق معه هذه البدهية؛ فـ «لا يظلمه ولا يسلمه ولا يحقره» ؟!
* «ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى عضو تداعى له سائر جسده بالسهر والحمى» (2) ، كلمات مضيئة من مشكاة النور النبوي؛ فهل تربت الأجيال في الفصائل والتجمعات، على ذلك الخُلق السامي مع (كل المؤمنين) ، ولو كانوا مخالفين في «الانتماء» ، أو مغايرين في «الفكر» ؟!
* ثم.. ما حقيقة هذا «الانتماء» ، عندما يتعارض مع الانتماء المعقود في السماء؟ وما قيمة ذلك «الفكر» الذي لا ينطلق من الفقه القرآني والهدى الرسولي عندما يدعو ذلك الفكر إلى قطيعة وجدانية بين المؤمنين الذين «تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم، ويجير عليهم أقصاهم، وهم يد على من سواهم» (3) .
* أمْرُ الله لهذه الأمة بالاعتصام بحبله تكليف للعامة والخاصة؛ فكيف ننادي في العامة بالاجتماع تحت راية الإسلام، ونحن غارقون في الفرقة، والناس يروننا ـ ونحن حملة الراية ـ أوْلى الأمة بذلك الاجتماع؟
* «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضُه بعضَه. وشبك بين أصابعه» (4) ، هل أقمنا البنيان على مبدأ الأخوة والمحبة في الله، حتى يشد بعضه بعضاً، أم أقيم ذلك البنيان على أسس من المحبة في ....، وفي، وفي....، وفي .... حتى أصبحت مبانينا يهد بعضها بعضاً، بدلاً من أن يشد بعضها بعضاً؟!