فهرس الكتاب

الصفحة 15129 من 27364

-وقد يصعِّر أحدهم خده لأخيه، أو يتكبر عليه، أو يمنع عنه الماعون، أو يخذله أو يسلمه، أو يوشي به أو يتجسس عليه أو يؤذيه بأي نوع متعمدٍ من الأذى، وكل ذلك من الكبائر أو الآثام التي كثر التحذير منها في نصوص الشريعة، والتي أجمل الله ذمها وذم أهلها في قوله ـ سبحانه ـ: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإثْمًا مُّبِينًا} [الأحزاب: 58] . وهنا يفرح الشيطان، ويرقص طرباً، وهو يتفرج على هؤلاء الإخوة الأعداء الذين قد يقنع منهم بتلك الذنوب من كبائر القلوب، عوضاً عن إيقاعهم في كبائر الجوارح التي يعلم الملعون أن التورع عنها أسهل من التورع عن ذنوب القلوب.

لن نعجب بعد ذلك، عندما نعلم أن حظ إبليس اللعين من الإيقاع بين المسلمين يكفيه في نفث عداوته، وإنفاذ أحقاده؛ وفي هذا يقول الرسو صلى الله عليه وسلم: «إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون، ولكن في التحريش بينهم» (2) ، إن ذلك التحريش قد يوقعه الشيطان بين أهل الصلاة، بحزازات حزبية، أو خلافات فكرية، أو فروق طبقية، أو عرقية أو عنصرية، وقد يوقعهم في ذلك بسبب حواجز وهمية أو أحقاد متوارثة تاريخية، لا بل قد يحرش بين المصلين بمجرد اختلافات (جغرافية) ليس لأحد فيها اختيار، فيجري على ألسنة المخدوعين به عبارات الاستثقال والاحتقار لأهل بلد، بل لجهة في البلد الواحد دون جهة كأن يسخر مثلاً من أهل (الجنوب) في بلدٍ ما، أو سكان (الشمال) في أرض ما، كما قد يغري أهل (الشرق) بالتكبر على أهل (الغرب) أو العكس، فتنطلق على ألسنة البعض عبارات النتن الكريه الذي كرم الله المؤمنين عنه، وكرَّههم رسول صلى الله عليه وسلم أن يخوضوا فيه، في قوله ـ عليه الصلاة والسلام ـ لمن كادوا أن يفتنوا بالتحريشات الجاهلية: «ما بال دعوى الجاهلية؟! دعوها فإنها منتنة» (3) ، يقصد بذلك r التعالي بالأحساب والأنساب، والتميز بالأسماء والألقاب.

أين موقع التحصين من تلك المخاطر في مناهجنا التربوية، وبرامجنا التعليمية والتثقيفية؟! أظن أن أمامنا الكثير من الوقت، حتى تحل (ثقافة الإخاء) أو (فقه الوفاق) في قلوب وعقول الناشئين والمُنشِّئين؛ لأن الثقافة المعاكسة، والفكر المخالف في ذلك، قد كاد يستفرد بالعقول والقلوب حيناً من الدهر، حتى لقد أثمر هذا الخلل أحوالاً من الخصام شبه العام في غير ما قضية، بما يستوجب بحكم الشرع والدين إجراء مصالحة شاملة بين أنصار الشرع وأهل الدين ترغم أنف الشيطان، وتحبط خطط الأعداء.

* الشعيرة الغائبة:

لا بد من عزمة أكيدة على إحباط خطط الشياطين في التفريق بين المؤمنين، لا بد من أن ينتدب قوم من العقلاء والصلحاء لمهمة إصلاح ذات البين بين خاصة الأمة فضلاً عن عامتها. لا بد من بذل الجهد واستفراغ الوسع في الإصلاح بين طوائفها وفصائلها وجماعاتها ومنظماتها. وما نقوله ليس اختراعاً لاقتراح، بل هو تذكير بشعيرة منسية، يبدو أن الخلافات شغلتنا عنها، والمزايدات زهدتنا فيها.

إن الإصلاح بين المؤمنين فريضة أخرى لا تقل أهمية عن فريضة الاعتصام بحبل الله؛ فقد خاطب الله ـ تعالى ـ خير أجيال البشر في زمان خير البرية r آمراً إياهم بأن يتقوا الله في الإصلاح، ويندبوا له من يقوم به، فقال ـ جل شأنه ـ: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ} [الأنفال: 1] ، وهل هناك أقدر على الإصلاح في الأمة منا نحن الإسلاميين؟ وهل هناك أحوج إلى الإصلاح في الأمة منا نحن الإسلاميين؟ إن الآية أمر إلهي لنا، وللأمة جميعاً بأن نبادر إلى رفع أسباب الشقاق، وإحلال أسباب الوفاق. يقول ابن كثير ـ رحمه الله ـ في تفسيره لهذه الآية: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ} [الأنفال: 1] ، «أي: واتقوا الله في أموركم، وأصلحوا فيما بينكم، ولا تظالموا، ولا تشاجروا؛ فما آتاكم الله من الهدى والعلم خير مما تختصمون بسببه» ثم أورد عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قوله: «هذا تحريج من الله ورسوله أن يتقوا الله ويصلحوا ذات البين» (4) .

وانتداب طائفة من الإسلاميين العاملين لبذل جهد إصلاحي بين الفصائل الإسلامية؛ ليس ـ كما يظن البعض ـ كتابة على الرمال أو نطحاً للجبال؛ فهذا من تسويلات الشيطان وتحريشاته العنيدة، بل إن مجهودات المصالحة لا بد أن تعود بخير؛ لأن الله ـ تعالى ـ قال في شأن الزوجين: {وَالصُّلْحُ خَيْرٌ} [النساء: 128] ؛ فما بالنا بخيرية الصلح بين جماعتين أو اتجاهين أو أكثر أو أقل؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت