فهرس الكتاب

الصفحة 15128 من 27364

وقد يقول قائل: وهل حققت التجمعات الإسلامية في العالم الركيزة الأولى حتى تنتقل إلى الركيزة الثانية؟ والجواب: إن الفصائل التي ندعو إلى التوافق القلبي والتوفيق المنهجي بينها؛ هي تلك التي لم تخرج عن (الجماعة) بالمعنى الشرعي، أي التي لم تخالف الأصول العامة لأهل السنة والجماعة، وهذا حال أكثر الفصائل المشهورة والمعنية بالكلام هنا ـ فيما نعلم ـ فهؤلاء وحدتهم المنهجية متقاربة، ولكنهم فرطوا كثيراً في وحدتهم الأخوية الوجدانية. أما الزاعمون بأن اجتماع الكلمة ووحدة القلوب من الممنوع قدراً، بناء على أحاديث الافتراق، وتفرد الطائفة الناجية، فنقول لهم: حديثنا هو عن اجتماع فصائل العاملين من تلك الطائفة، وليس عن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً من الطوائف البدعية المخالفة في أصول الاعتقاد؛ فلهؤلاء شأن آخر، ثم إنه لا يمكننا أن نضرب الشرع بالقدر، للهروب من الشرع احتجاجاً بالقدر؛ فهل إذا أخبر صلى الله عليه وسلم بوقوع هذه الأمة ـ قدراً ـ في التشبه بأعدائها في قوله: «لتتبعن سنن الذين من قبلكم شبراً بشبر، وذراعاً بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه وراءهم» (2) هل يعني ذلك أننا غير مأمورين شرعاً بترك هذا التشبه؟! وهل يعني تقدير وقوع الفتن ألاَّ يفر المرء من الفتن؟ أو أن تقدير غربة الدين يعفينا من العمل على إزالة تلك الغربة عن الدين؟

إن الوحدة بين المسلمين فريضة توصل إليها فرائض، وشرعة تتضمن العديد من التشريعات؛ فالأمر بالأخوة الإيمانية هو أمر بالعديد من شعب الإيمان الموصلة لها، هو أمر بخفض الجناح، وحسن الظن، والعفو والصفح، وصنائع المعروف، وإبداء النصيحة، وقبول النصيحة، والرفق في النصيحة، والإخلاص في النصيحة، والستر على العيوب، والرفق في الأفعال واللين في الأقوال، والدفع بالتي هي أحسن، والصبر على التي هي أقوم من مواقف العدل وسياسة الإحسان، إلى غير ذلك من العديد والعديد من شعب الإيمان.

أكاد أجزم بأن أكثر شعب الإيمان توصلنا إلى الاعتصام بحبل الله، وكيف لا؟ ورسول ا صلى الله عليه وسلم قد جعلها أهم روابط الإيمان في قوله ـ عليه الصلاة والسلام ـ: «أوثق عرى الإيمان الموالاة في الله والمعاداة في الله، والحب في الله والبغض في الله» (3) .

وأكاد أجزم ـ في الوقت نفسه ـ بأن الشقاق لا يحصل إلا بعد الوقوع في العديد من شعب العصيان التي يزينها الشيطان ليوقع المسلمين في الافتراق والشقاق.

* الحاضر الغائب (لعنه الله) :

أعني به ذلك العدو المبين الذي قال الله ـ تعالى ـ عنه: {إنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا} [فاطر: 6] ؛ فمن عظيم عداوته، وشدة أذاه لأولياء الرحمن أنه يتربص بأُخوَّتهم، ويستهدف محبتهم، ويحرص ـ لعنه الله ـ على أن ينال حظه من مجموع المؤمنين بالمعاصي الجماعية، بعد أن ينال من آحادهم بالمخالفات الفردية، وذلك بأن يضل الجميع عن أعظم محاب الله، وهو الحب في الله، فينشر البغضاء، ويشيع الكراهية، ويبث الأحقاد والضغائن والإحن، ليظفر ـ عليه اللعنة ـ من وراء ذلك بكم كبير من الكبائر... نعم الكبائر والآثام التي يقع فيها المتدابرون والمتباغضون والمتنازعون المتفرقون.

تصور معي شخصاً، لا يقيم علاقته مع إخوانه المسلمين على الميزان الشرعي للأخوة الإيمانية، فيقع ـ كما نشاهد كثيراً ـ في بغض أخ له بغير حق، وفي عداوته لغير الله، إنه سيحوز بلا شك، من وراد ذلك الخلل الشرعي في علاقته بأخيه، عدداً غير قليل من كبائر الذنوب وموبقات الآثام، وقد لا يشعر بذلك لتزيين الشيطان له سوء عمله حتى يراه حسناً.

-إنه قد يحتقره، واحتقار المسلم من الكبائر «بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم» (4) .

-وقد يهجره هجراً غير شرعي فوق ثلاث، وذلك لا يحل له، لقول صلى الله عليه وسلم: «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام» (5) .

-وقد يعتدي عليه في عرضه أو ماله أو نفسه، وذلك من الكبائر {إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [البقرة: 190] .

-وقد يسبه أو يتشاجر معه وذلك من الكبائر؛ لأن «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر» (1) .

-وقد يسيء به الظن؛ وذلك لا يحل بحال؛ لأن {بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ} [الحجرات: 12] .

-وهو في الغالب سيستحل غيبته ويقع في عرضه، وذلك من الكبائر؛ لأن الله قال: {وَلا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا} [الحجرات: 12] .

-وهو لا بد واقع في همزه ولمزه، وذلك من الكبائر؛ لأن الله قال: {وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ} [الهمزة: 1] ، وقال: {وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ} [الحجرات: 11] .

-وأخونا هذا ـ أو أختنا ـ سيقعان غالباً في السخرية من إخوانهم أو أخواتهن، وذلك من الإثم؛ لأن الله ـ تعالى ـ يقول: {لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ} [الحجرات: 11] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت