فهرس الكتاب

الصفحة 15127 من 27364

نحن نؤمن بالقدر، لكننا لا نؤمن «بالقدرية» فالقدرية (العقدية) بنوعيها (1) ، ابتداع في الدين، وشذوذ في الاعتقاد، عافى الله ـ تعالى ـ منه أهل السنة والجماعة، ولكن نوعاً جديداً من (القدرية الفكرية) بدأ ينتشر بين المسلمين، يشيع بينهم نوعاً من الهزيمة، ولوناً من السلبية، تقعدهم عن العمل بتكاليف الشريعة ومحكمات الأحكام احتجاجاً بالقدر؛ وذلك في صنوف من الأقاويل، منها مثلاً: أن هزيمة أعداء الأمة والتمكين للإسلام لن يكون إلا في زمان المهدي، ومنها: أن انتصارنا على اليهود لن يكون إلا في زمن الدجال..! ومنها: وهذا هو المقصود هنا ـ أن وحدة الأمة لن تتحقق أبداً؛ لأن القدر محتوم بدوام الافتراق؛ فلهذا فإن من العبث ـ كما يقولون ـ السعي في الوفاق والاتفاق، بل إن بعضهم تنطع وعدَّ الدعاء بجمع كلمة المسلمين من التعدي في الدعاء؛ لأن ذلك يتعارض مع القدر المعلوم باستحالة هذا الجمع!! ولو أنصف هؤلاء من أنفسهم، لعلموا أن الاعتصام بحبل الله حكم شرعي للتنفيذ لا حكم قدري للتعجيز، أو من باب (التكليف بما لا يطاق) ؛ فاجتماع قلوب المسلمين على العمل بالدين هو الدين، وتفرقهم وتنازعهم وفرقتهم ـ بمزاعم قدرية أو حزبية أو مصلحية ـ هو هدم لأهم عوامل التمكين؛ ألم يأمر الله ـ تعالى ـ بالاجتماع في قوله ـ سبحانه ـ: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103] ؟ إن هذه الآية أصل في فقه الوفاق، وقاعدة من قواعد العلاقات بين المسلمين، ولو كان الاجتماع والوفاق مستحيلاً قدراً، لما جاء الأمر به شرعاً. قال الإمام الطبري ـ رحمه الله ـ في تفسيره لهذه الآية: «يعني بذلك ـ جل ثناؤه ـ: وتعلقوا بأسباب الله جميعاً، يريد بذلك ـ تعالى ذكره ـ: وتمسكوا بدين الله الذي أمركم به، وعهده الذي عهد إليكم في كتابه إليكم من الألفة والاجتماع على كلمة الحق، والتسليم لأمر الله» (2) ، ولو كان ذلك الاجتماع غير مقدور لما فُسرت الآية بذلك. وقال المفسر ابن عاشور ـ رحمه الله ـ عند كلامه على هذه الآية: «هذه الآية أصل عظيم من أصول الأخلاق الإسلامية» وعلل ذلك بأنها تشتمل في أولها على النهي عن الموت على غير الإسلام، بما يستوجب النهي عن مفارقة الإسلام طول الحياة، وأنها تشتمل كذلك على الأمر الشرعي بالاعتصام وعدم التفرق بما يستوجب الأخذ بأسباب ذلك وقال ـ رحمه الله ـ: «أمرهم بما فيه صلاح حالهم في دنياهم، وذلك بالاجتماع على هذا الدين وعدم التفرق ليكتسبوا باتحادهم قوة ونماءً» (3) فأين هذا من قول من يقول: إن الفرقة قدر غالب، وضربة لازب؟!

إن الأمر بالاجتماع هو أمر بمسبباته من الأوامر الشرعية، كما أن النهي عن الفُرقة هو نهي عن مسبباتها من المناهي الشرعية، ولذلك قال العلامة أبو السعود في تفسير الآية نفسها: { وَلا تَفَرَّقُوا} : «لا تُحدِثوا ما يوجب التفرق ويزيل الألفة» (4) .

وما يوجب التفرق ويزيل الألفة، نعرفه جميعاً في كثير من المجالس والمنتديات، وفي أكثر المجادلات والحوارات الخالية من أدب الحوار الإسلامي، وإذا كان بذل الأسباب لتقوية أواصر الأخوة بين المسلمين واجباً شرعياً، فإن مع ذلك الواجب واجباً آخر أوجب، وهو أن يكون هذا الإخاء مبنياً على الالتفاف حول ثوابت هذا الدين ومحكماته. والدعوة إلى وحدة العمل الإسلامي هنا ليست دعوة إلى تأليف القلوب على مفهوم مقلوب، أو منهج مبتدع، أو اعوجاج ظاهر عن الأصول الثابتة؛ ولكنها دعوة إلى التآلف على الهدى المحكم، والثوابت المجمع عليها (5) ؛ وهذه مساحتها أكبر بكثير من مساحة المسائل المختلف فيها. وأكثر ما تعج به الساحة الإسلامية من خلافات واختلافات، إنما هو في مسائل قد تختلف فيها الأنظار ويسوغ فيها الاختلاف.

ولوحدة الجماعة المسلمة ـ كما يقول سيد قطب ـ رحمه الله ـ «ركيزتان تقوم عليها لتحقق وجودها وتؤدي دورها: الركيزة الأولى هي الإيمان والتقوى المأمور بها في قوله ـ تعالى ـ: {اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} [آل عمران: 102] ، والركيزة الثانية هي ركيزة الأخوة.. الأخوة في الله على منهج الله، لتحقيق منهج الله؛ فهي أخوة إذن تنبثق من التقوى والإسلام، من الركيزة الأولى.. أساسها الاعتصام بحبل الله، أي عهده ونهجه ودينه، وليست مجرد تجمع على أي تصور آخر، ولا على أي هدف آخر، ولا بواسطة حبل آخر » (1) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت