فهرس الكتاب

الصفحة 15131 من 27364

وقد أرسى شيخ الإسلام قاعدة ذهبية في التعامل بين المسلمين على أساس مراعاة الموالاة الإيمانية التي عقدها الله ـ تعالى ـ بينهم في قوله ـ عز وجل ـ: {إنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ} [الحجرات: 10] ، وقول الرسو صلى الله عليه وسلم: «كونوا عباد الله إخواناً» (4) ، فقال عليه ـ رحمة الله ـ: «على المؤمن أن يعادي في الله، ويوالي في الله، فإن كان هناك مؤمن، فعليه أن يواليه وإن ظلمه؛ فإن الظلم لا يقطع الموالاة الإيمانية؛ قال ـ تعالى ـ: {وَإن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} [الحجرات: 9] فجعلهم إخوة مع وجود القتال والبغي، وأمر بالإصلاح بينهم؛ فليتدبر المؤمن: أن المؤمن تجب موالاته وإن ظلمك واعتدى عليك، والكافر تجب معاداته وإن أعطاك وأحسن إليك؛ فإن الله ـ سبحانه ـ بعث الرسل، وأنزل الكتب ليكون الدين كله لله، فيكون الحب لأوليائه والبغض لأعدائه، والإكرام والثواب لأوليائه، والإهانة والعقاب لأعدائه، وإذا اجتمع في الرجل الواحد خير وشر، وفجور وطاعة، وسنة وبدعة، استحق من الموالاة والثواب بقدر ما فيه من الخير، واستحق من المعاداة والعقاب بحسب ما فيه من الشر» (1) ، وقد حرص الإمام ـ رحمه الله ـ على بيان الفصل التام بين طبيعة التعامل مع الكافرين بمقتضى عقيدة البراء، والتعامل مع المؤمنين بمقتضى عقيدة الولاء، مبيناً أنه لا تنقطع الموالاة عن مؤمن أبداً، فقال: «الحمد والذم، والحب والبغض، والموالاة والمعاداة، إنما تكون بالأشياء التي أنزل الله بها سلطانه، وسلطانه كتابه؛ فمن كان مؤمناً وجبت موالاته من أي صنف كان، ومن كان كافراً وجبت معاداته من أي صنف كان» (2) ، وحذر شيخ الإسلام أيضاً من إطلاق العنان للنفس لتحب من تشاء وتبغض من تشاء دون تقيد بسلطان القرآن ومنهاج السنة، فقال: «من الناس من يكون حبه وبغضه، وإرادته وكراهته بحسب محبة نفسه وبغضها، لا بحسب محبة الله ورسوله، وبغض الله ورسوله؛ وهذا نوع من الهوى، فإن اتبعه الإنسان فقد اتبع هواه: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ} [القصص: 50] » (3) .

إن إحياء الموالاة بين المؤمنين، هو استدعاء لموجبات ولاية الله، وولاية الله موجبة لرحمته ونصرته، وفي الوقت نفسه فإن التنكر لتلك الموالاة للمؤمنين، والتماسها عند غير أهلها من موجبات الحرمان من الولاية الإلهية. عياذاً بالله.

قال ـ سبحانه ـ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ} [المائدة: 54] .

قال حَبر الأمة، عبد الله بن عباس ـ رضي الله عنهما ـ: «من أحب في الله وأبغض في الله، ووالى في الله وعادى في الله فإنما تنال ولاية الله بذلك، ولن يجد عبد طعم الإيمان، وإن كثرت صلاته وصومه، حتى يكون كذلك، وقد صارت مؤاخاة الناس على أمر الدنيا، وذلك لا يجدي على أهله شيئاً» (4) .

* أقَْدِم ولا تتردد!

الإخاء روح يسري، وفقه يُشاع، وثقافة تنتشر، وعلى العكس تماماً، فإن الجفاء له روحه وفكره وثقافته، ولكل من روح الإخاء والجفاء أهل، ولكل منهما أنصار ورموز ومنظِّرون ومندوبون، مسوِّقون وموزِّعون. وبقدر ما تُخدم قضايا الإصلاح يجيء الإصلاح، وبقدر ما تخدم جهود الفرقة، تعم الفرقة، وفي أوضاعنا المعاصرة، عندي ما يشبه اليقين، بأن الجهود التي تبذل من أجل الوفاق والائتلاف، لا تبلغ عشر معشار ما بذل ولا يزال يبذل من جهود الشقاق والاختلاف، وإذا كان قد فرط من أمرنا في ذلك ما فرط، مما لا يرضي الله ـ سبحانه ـ ولا رسول صلى الله عليه وسلم ، فلا أقل من المسارعة الآن إلى تدارك ما فُرط فيه؛ قبل أن ينفرط ما تبقى من عقودنا وعهودنا، ويسقط ما تبقى من شعاراتنا ومشاريعنا؛ فالظرف قاهر، والأزمات محكمة، والعدو ـ من كل صنف ـ أصبحوا كصف واحد برأي واحد في تحدٍ سافر، وعناد خطير، هم فيه أولياء متناصرون، وحلفاء متعاضدون: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ} [الأنفال: 73] .

نعم! فساد كبير، أن يتحد أعداؤنا ونتفرق، وفساد كبير أن يتعاونوا على الإثم والعدوان ولا نتعاون على البر والتقوى، وفساد كبير أن يكونوا على أفجر قلب رجل واحد منهم، ولا نكون على أتقى قلب رجل واحد منا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت