فهرس الكتاب

الصفحة 15182 من 27364

4)ومما يهدف إليه العصريون بهذا المصطلح (إلغاء المناداة بالرابطة الإسلامية أو تحييدها واستبدالها بالرابطة الأخوية الإنسانية ، إلى الوحدة الأخوية الدينية ) [40] ، ولذا فهم يدندنون كثيراً على هذه المصطلحات، ولا ريب أن هذا باطل وزور من القول ، فنحن وإن كنا أبناء لآدم وحواء ، فإن هذا لا ينفعنا عند الله ، والذي ينفعنا هو الدخول في دين الإسلام وعقد الأخوة المسلمين ، وقد امتن الله علينا بهذه الأخوة فقال: {واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداءً فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً} [41] ، وبعدئذ يتوحد الحب لدى المسلم فلا يحب إلا أخيه المسلم ولا يرتبط إلا به ، ولا يصاحب إلاَّ إياه .

وما أروع ما قاله الأستاذ: سيد قطب - رحمه الله -:

"إن البشرية لا تنقسم في تقدير المسلم إلى أجناس وألوان وأوطان ، إنما تنقسم إلى أهل الحق وأهل الباطل ، وهو مع أهل الحق ضد أهل الباطل ... في كل زمان وفي كل مكان ... وهكذا يتوحد الميزان في يد المسلم على مدار التاريخ كله ، وترتفع القيم في شعوره عن عصبية الجنس واللون واللغة والوطن ، و القرابات الحاضرة أو الموغلة في بطن التاريخ ، ترتفع فتصبح قيمة واحدة ... هي قيمة الإيمان يحاسب بها الجميع، ويقوم بها الجميع" [42]

ولو دقق في نداء نوح لربه - عز وجل - قائلاً: {رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين} [43] ، فقد رد الله - عز وجل - عليه قاطعاً ما بينه وبين ابنه من أواصر القرابة ، قائلاً: {يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح} [44] ، وذلك أن نوحاً كان ابنه كافراً ، ففصم الله العلاقة بينه وبين أبيه، حتى يتميز حزب الرحمن من حزب الشيطان ، ويعلم أن آصرة التجمع هي على عقيدة الإسلام ،وأن رابطة الولاء لا تكون ولا تنبغي أن تكون إلا لمن اتبع هذا الدين ، وقام به خير قيام . نعم إن الإنسان مخلوق كريم، كما قال تعالى: {لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم} [35] ، وقال: {ولقد كرمنا بني آدم} [46] ، لكنه لما حاد عن منهج الله ، قال تعالى عنه: {ثم رددناه أسفل سافلين} [47] ، ولم يستثن إلا من ثبت على شريعة الإسلام ، فقال: {إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات} [48] ' فمن اتبع غير شريعة الله فليس ذا كرامة ، كما قال تعالى: {ومن يهن الله فما له من مكرم} [49] ، بل سمى الله المشرك نجساً ، فقال: {إنما المشركون نجس} [50] .

فمن جعل من المسلمين شعار (الإخاء الإنساني) هو الشعار المرفرف ، موالياً من والاه ، ومعادياً من عاداه ، فإنه قد ارتكب جرماً كبيراً في حق ربه - عزوجل - وتنكر لأمته وهويته، و جزى الله الشيخ: جاد الحق علي جاد الحق خيراً - شيخ الأزهر سابقاً رحمه الله - حين قال:"إن البحث عن هوية أخرى للأمة الإسلامية خيانة كبرى ، وجناية عظمى ، وقد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم (من غير منار الأرض) [51] ، فكيف بمن يغير هوية أمة ، ويضلها عن طريق النجاة ؟" [52] ا.هـ .

فمن فعل ذلك فإنه قد شابه الجاهلية ، والتي تحب أن تنتسب للروابط القومية أو الإقليمية، لذا فقد أزال رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الرؤى الجاهلية والتي كانت عند الصحابة الكرام - رضي الله عنهم أجمعين - فقال يخاطبهم (إن الله قد أذهب عنكم عُبِّيَة الجاهلية ، وفخرها بالآباء ، إنما هو مؤمن تقي ، وفاجر شقي ، الناس كلهم بنو آدم وآدم خلق من تراب ليدعن رجال فخرهم بأقوام إنما هم فحم من فحم جهنم ، أو ليكونن أهون على الله من الجعلان التي تدفع بأنفها النتن) [53] .

قال شيخ الإسلام بن تيمية - رحمه الله - معلقاً على هذا الحديث:"فأضاف العُبية والفخر إلى الجاهلية ، يذمها بذلك ، وذلك يقتضي ذمها بكونها مضافة إلى الجاهلية ، وذلك يقتضي ذم الأمور المضافة إلى الجاهلية" [54] .

وقال في موضع آخر:"وذلك أن الانتساب إلى الاسم الشرعي ، أحسن من الانتساب إلى غيره ، ألا ترى إلى ما رواه أبو داود من حديث ... أبي عقبة - وكان مولى من أهل فارس - قال: (شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أحداً، فضربت رجلاً من المشركين ' فقلت: خذها وأنا الغلام الفارسي، فالتفت إلي فقال:( هلا قلت: خذها مني وأنا الغلام الأنصاري ؟) [55] ."

قال العلامة القاري - رحمه الله -:"وكانت فارس في ذلك الزمان كفاراً ، فكره صلى الله عليه وسلم الانتساب إليهم وأمره بالانتساب إلى الأنصار ليكون منتسباً إلى أهل الإسلام" [56] .

وقال العلامة الشنقيطي - رحمه الله -:"ولا يخفى أن أسلافنا معاشر المسلمين إنما فتحوا البلاد ومصروا الأمصار بالرابطة الإسلامية ، لا بروابط عصبية ، ولا بأواصر نسبية" [57] .

تساؤل ... وجوابه:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت