فهرس الكتاب

الصفحة 15183 من 27364

إذا اتفق على مراد هؤلاء العصريون في مبدأهم (الإخاء الإنساني) فقد يتساءل البعض:لِم يستخدم هؤلاء هذه الفكرة محاولين أن يقنعوا الناس بها ؟ والجواب: يحسن التنبيه بأنَّه قد تكون منهم فئة وقعت شبهة في عقولهم ، أو لم يدركوا أبعاد هذه الفكرة فأطلقوها بحسن ظن ونية منهم - فربنا يغفر لهم - إلا أن الغالب على أكثرهم أنهم يلبسون الحق بالباطل ، ويتاجروا بهذه الكلمة ليروجوا باطلهم على أذهان الناس باعتبار أنها في أصلها صحيح ، ولبس الحق بالباطل (قاسم مشترك) بين أهل الأهواء والبدع ليروجوا باطلهم باسم الحق .

قال ابن القيم - رحمه الله - وقد كان يتحدث عن أصحاب الحيل الباطلة:"وأخرج أرباب البدع جميعهم بدعهم في قوالب متنوعة ، بحسب تلك البدع ... فكل صاحب باطل لا يتمكن من ترويج باطله إلا بإخراجه في قالب حق" [58] .

وكذلك فإن مصطلح (الإخاء الإنساني) مصطلح مجمل يحتمل حقاً ويحتمل باطلاً ، والعصرانيون يشتركون مع أهل البدع بأخذهم بالألفاظ المجملة والعمومية التي تسبب كثيراً من الإشكالات ، ليخلقوا الغبش والضبابية حول مفاهيمهم ، فهم لا يحبون التفصيل بل من طبعهم الإجمال في العبارات والنصوص لتبدوا رجراجة غامضة ، ولذا يوصي ابن القيم في نونيته بالابتعاد عن مثل هذا النسق، والذي مشى عليه كثير من أهل البدع ، قائلاً:

فعليك بالتفصيل والتبيين فا *** لإطلاق والإجمال دون بيان

قد أفسدا هذا الوجود وخبَّطا *** الأذهان والآراء كل زمان

ولينظر إلى الخوارج كيف أنهم تمسكوا بظاهر آية مجملة وهي في قوله تعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} [59] ، فكفروا طائفة من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم من شهد له بالجنة كعلي بن أبي طالب - رضي الله عنه وأرضاه - بسبب أنهم أخذوا هذه الآية بمجملها و بنوا عليها باطلهم . ولهذا فإن أفضل حل مع هذه الطوائف أن يستفصل عن مرادهم بهذه الألفاظ المجملة كلفظ (الحرية ) و (التجديد) وغيرها من الألفاظ والتي منها (الأخوة الإنسانية) فإن أطلقت هذه المصطلحات فليسأل صاحبها ماذا تريد بهذا المصطلح ؟

قال ابن تيمية:"وأما الألفاظ المجملة فالكلام فيها بالنفي والإثبات دون الاستفصال يوقع في الجهل والضلال والفتن والخبال ، والقيل والقال ، وقد قيل (أكثر اختلاف العقلاء من جهة اشتراك الأسماء) [60] ."

هذا مع أن الأفضل في اعتقادي - والله أعلم - في مصطلح (الأخوة الإنسانية) تجنبه مطلقاً ، وعدم النطق به، ولو لم يكن من ذلك إلا عدم الوقوع في مشابهة الكفارمن الأنظمة الماسونية وغيرها لكفى ، وهذا من أعظم مقاصد القرآن فإنه يحث على تجنب مشابهة الكفار حتى في ألفاظهم والنهي عن النطق بها ، ولو كان ظاهرها صواباً ، لأن أهل الكفر والفساد يقصدون منها معان باطلة ، وتأويلات مغايرة لحقائق الوحيين ، فلفظة (راعنا) عند اليهود كانوا يقولونها استهزاء برسول الله صلى الله عليه وسلم ويريدون منها معنىً قبيحاً ، فنهى الله المؤمنين عن قولها والتلفظ بها لئلا يتشبه المسلمون بالكفار ، فقال: {يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا} [61] ، قال قتادة وغيره:"كانت اليهود تقوله استهزاءً ، فكره الله للمؤمنين أن يقولوا مثل قولهم" [62] .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله معلقاً -:"فهذا كله يبين أن هذه الكلمة نهي المسلمون عن قولها ، لأن اليهود كانوا يقولونها - وإن كانت من اليهود قبيحة ومن المسلمين لم تكن قبيحة - لما كان في مشابهتهم فيها من مشابهة الكفار ، وتطريقهم إلى بلوغ غرضهم" [63] .

وفي ختام المقال:

فإني أوصي من كان على هذا المنهج العصراني أن يتقوا الله في أنفسهم وأن يستشعروا (أمانة الكلمة) وأن العبد (ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد) [64] وليت هؤلاء العصريون وكما أنهم يحاولون استرضاء الكفار بالربط بينهم وبين المسلمين بحلقة التآخي؛ ليتهم يوجهوا أنظارهم إلى إخوانهم المسلمين ، ويحلوا مشكلات التفرق والخصومة بينهم بمنهج السلف الصالح ، ويوثقوا بينهم وشيجة الإخاء ، وآصرة الولاء ، ورابطة التجمع على: (لا إله إلا الله محمد رسول الله) .

إلاَّ أن العكس هو الواقع فالمتابع لحركة أصحاب المدرسة العصرية في التأليف والندوات التي يقيمونها يلحظ أن أكثر سهامهم موجهة تجاه المنهج السلفي ، ولمزه تارة بـ (التنطع) و (التشدد) أو أن أصحابه (جامدون - نصوصيون -- حرفيون - كهفيون ...) [65] إلى غير ذلك من الألفاظ ، وبالمقابل يسعون لإرضاء الكفار ومداهنتهم والتقارب معهم ، مع أن الكفار لم يأبهوا بكلامهم ولا رضوا عن فعالهم ، ويصدق فيهم قول الشاعر:

باء بالسخطتين فلا عشيرته رضيت *** عنه ولا أرضى عنه العدا

فمن يقارن حال هؤلاء العصريين مع الكفار ومع من تمسك بالسنة الغراء، فسيجد ازدواجية المعايير وسياسة الكيل بمكيالين . وقد أحسن الدكتور: عدنان النحوي ، حين صوَّر حال هؤلاء قائلاً:"وأصبح من المسلمين من يأنس للتحالف مع أعداء الله ، ويأنف من التعاون مع المسلم ، ودوى شعار (تقارب الأديان) وغاب شعار (المسلم أخو المسلم) " [66] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت