فهرس الكتاب

الصفحة 15189 من 27364

الثاني: من معانى الوسط قريب الصلة بمعناه الأصلى ، وهو أن الكلمة أصبحت تدل على الأحسن والأفضل ، لأن وسَط الشئ غالبا أحسن مكان فيه ، مثال ذلك أن وسَط الوادي خير مكان فيه وأكثره كلأ ومرعى ، ووسَط الدابة للركوب خير من أطرافها لتمكن الراكب فيه . وفي الصحاح: واسِطةُ القلادة الجَوْهَرُ الذي هو في وَسطِها وهو أَجودها . وقال أبن عاشور في تفسيره: صار معنى النّفاسة والعزّة والخيار من لوازم معنى الوسط عرفًا، فأطلقوه على الخيار النفيس كناية .

وجاء في حديث مرسل (خيرَ الأمُور أوْساطِها) ، ومن تعليقات ابن الأثير على هذا الحديث قوله:"كُلَّ خُصْلة مَحْمُودة فَلَها طَرَفان مَذْمُومَان ، فإن السَّخَاء وَسَط بين البُخْل والتَّبْذِير، والشَّجَاعة وسَط بين الجُبْن والتَّهَور. والإنسان مَأمُور أن يَتَجَنَّب كلَّ وَصْف مَذموم ، وتجنبه بالتَّعَري منه والبعد عنه ، فكلما ازداد منه بعداً ازداد منه تَعَرِّياً ، وأبْعد الجِهات والمقادِير والمَعَاني من كل طرفين وسَطَهُما ، وهو غَايَة البُعد عنهما ، فإذا كان في الوَسَط فقد بَعُد عن الأطراف المَذْمُومة بقدر الإمكان."

ومن استعمالات القرآن لهذا المعنى للوسط قول الله تعالى: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى) ، والوسطى مؤنث الأوسط ، وسُمِّيت الصلاة الوسطى لأنها أفْضَل الصلاة وأعْظَمها أجراً ولذلك خُصَّت بالمُحافَظَة عليها ، وإن اختلف في تعيينها ومعنى توسطها ، ففى رأي أنها وَسَط بَين صلاتَي اللَّيْل وصَلاتَي النَّهار ولذلك قيل هي العَصْر وقيل الصُبْح ، وقيل وسط النهار وهي الظهر ، وقيل وسط بين الطول والقصر وهى المغرب.

وأخذ بهذه الخيرية في معنى الوسط جمع من العلماء في تفسير قول الله تعالى: (وكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً ) ، واختاره ابن كثير فقال: والوسط هاهنا الخيار والأجود ، كما يقال قريش أوسط العرب نسبا ودارا أي خيرها ، وكان رسول ا صلى الله عليه وسلم وسطا في قومه أي أشرفهم نسبا ، ومنه الصلاة الوسطى التي هي أفضل الصلوات . واستدل الرازي لمن قال أن هذا القول أولى في تفسير الوسط بأنه موافق لوصف الأمة بالخيرية في قول الله تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) .

الثالث: من معانى الوسط أنه العدل ، وقد ثبت في حديث صحيح أن صلى الله عليه وسلم قال في قول الله تعالى (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا) ، قَالَ"وَالْوَسَط الْعَدْل"، رَوَاهُ الْبُخَارِيّ وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَهْ عن أبي سعيد الخدري . وعلّق ابن حجر على تفسير العدل بالوسط أنه لا ينافي تفسير الوسط بمعانيه الأخري فقال:"لا يلزم من كون الوسط في الآية صالحا لمعنى التوسط أن لا يكون أريد به معناه الآخر كما نص عليه الحديث ، فلا مغايرة بين الحديث وبين ما دل عليه معنى الآية". ونقل هذا المعنى في تفسير الوسط عن عدد من الصحابة والتابعين منهم أبوهريرة وابن عباس وأبو سعيد ومجاهد وقتادة . قال الرازي: إنما سمي العدل وسطاً لأنه لا يميل إلى أحد الخصمين، والعدل هو المعتدل الذي لا يميل إلى أحد الطرفين .

واستُدِل لهذا المعنى من الشعر بقول زُهَيْر:

هُمْ وَسَط يَرْضَى الْأَنَام بِحُكْمِهِمْ** إِذَا نَزَلَتْ إِحْدَى اللَّيَالِي بِمُعْظَمِ

وَقَالَ آخَر:

لَا تَذْهَبَن فِي الْأُمُور فَرَطًا ** لَا تَسْأَلَن إِنْ سَأَلْت شَطَطَا

وَكُنْ مِنْ النَّاس جَمِيعًا وَسَطَا

وبمعنى العدل فسر الأوسط أيضا في قول الله تعالى: (قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ) ، قال ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة، ومحمد بن كعب، والربيع بن أنس، والضّحاك، وقتادة: أي أعدلهم وخيرهم . وقال القرطبي: أي: أمثلهم وأعدلهم وأعقلهم .

والخلاصة: أن الوسط جاء في الأصل لما انتصف بين طرفين ، ولأن أحسن الأشياء أوسطها كان الوسط بمعنى الأحمد والأجود والأفضل والخيِّر ، وما كان خيرا فهو عدل. وعلى هذا فإن معانى الوسط متقاربة وليست متنافية كما قال الرازي .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت