فهرس الكتاب
ومع أن مصطلح الوسط كلمة جامعة تتسع لمفاهيم كثيرة من التوسط والتوازن والقصد والخير والاعتدال، إلا أنه من الأمور الإضافية . والمراد من الوسط الذي هو سمة أساسية من سمات الأمة المسلمة ، المفهوم الإسلامي له . إذ أن معنى الوسط يختلف باختلاف الدين والثقافة والحضارة . فما كان وسطا من وجهة نظر الثقافة الغربية مثلا فليس هو الوسط من وجهة نظر الإسلام ، إذ أن لكل ثقافة معاييرها ومنهجها في تحديد الوسط . وأحسب أن هذا ينطبق على كثير من المفاهيم الأخرى مثل العدل والمساواة والحرية وغيرها . فلا بد إذا لتحديد معنى الوسط بمفهومه الإسلامي تحديدا دقيقا من اعتبار ضوابط الإسلام وموازيينه . وقد أوضح الله تعالى الصلة بين الصراط المستقيم والوسط حين قال: (يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إلى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) ، ثم قال (وكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ويَكُونُ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدا ) . فقد فسر كثير من المفسرين أن المقصود بقوله تعالى (وكذلك ) يعنى أنعمنا عليكم بجعلكم أمة وسطاً، مثل ما سبق إنعامنا عليكم بالهداية إلى الصراط المستقيم . فتكون هداية الأمة المسلمة إلى الصراط المستقيم وخصها بأكمل الشرائع وأقوم المناهج وأوضح المذاهب ، هو الأساس الذي يقوم عليه اتصافها بالوسط علما وعملا . ومن أحسن المواضع التى تستبين منها الصلة بين الصراط المستقيم والوسط قول الله تعالى في سورة الفاتحة: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ) . فدل ذلك على أن الصراط المستقيم هو طريق المنعم عليه ممن علم الحق وعمل به ، وهو وسط بين طريق من علم الحق ولم يعمل به فكان مغضوبا عليه ، وطريق الضال الذي جهل الحق أصلا ولم يهتد إليه . وفي هذا المعنى قال ابن كثير أن صراط الذين أنعمت عليهم"هم أهل الهداية والاستقامة والطاعة لله ورسله ، وامتثال أوامره وترك نواهيه وزواجره ، غير صراط المغضوب عليهم وهم الذين فسدت إرادتهم فعلموا الحق وعدلوا عنه ، ولا صراط الضالين وهم الذين فقدوا العلم فهم هائمون في الضلالة لا يهتدون إلى الحق ."ومما ينبغى التنبيه عليه أن وصف الأمة المسلمة بسمة الوسط لا يعنى أن كل من انتسب للإسلام فهو وسط ، بل وصف الوسط لا يتحقق إلا لمن قام بحقوقه التى سنوضح مقوماتها فيما بعد ، وقد كان للصحابة والرعيل الأول من السلف المقام المعلى من ذلك ، ولا يخلو كل عصر من جماعة هذه صفتهم ، حسب ما جاء من آحاديث في الطائفة الظاهرة ، ومنها حديث الذى رواه مسلم عن ثوبان قال: قال رسول ا صلى الله عليه وسلم ( لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك) .
وظيفة الشهادة على الناس
أوضح قول الله تعالى: (وكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ويَكُونُ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدا ) ، أنه قد انيط بالمسلمين بسبب كونهم وسطا مهمة عظيمة وهى الشهادة على الناس بالحق والعدل ، مثل ما كان الرسو صلى الله عليه وسلم شهيدا عليهم بذلك . ولا بد من النظر في معنى هذه الشهادة وبيان حقيقتها . أما معنى الشهادة في اللغة فيكفي أن ننقل هنا ما بينه الرازي عنها حين قال:
"الشهادة والمشاهدة والشهود هو الرؤية يقال: شاهدت كذا إذا رأيته وأبصرته، ولما كان بين الإبصار بالعين وبين المعرفة بالقلب مناسبة شديدة لا جرم قد تسمى المعرفة التي في القلب: مشاهدة وشهوداً، والعارف بالشيء: شاهداً ومشاهداً، ثم سميت الدلالة على الشيء: شاهداً على الشيء لأنها هي التي بها صار الشاهد شاهداً، ولما كان المخبر عن الشيء والمبين لحاله جارياً مجرى الدليل على ذلك سمي ذلك المخبر أيضاً شاهداً، ثم اختص هذا اللفظ في عرف الشرع بمن يخبر عن حقوق الناس بألفاظ مخصوصة على جهات مخصوصة ."
فالشهادة إذن هي العلم بالشئ ومعرفته والإخبار عنه والدلاله عليه والاحتجاج له . فالمسلمون شهداء بالحق بسبب معرفتهم به وهداية الله لهم إليه ، وبسبب إخبارهم للناس عنه وبيانهم له والاحتجاج له ، وبسبب حكمهم على الناس خيرهم وشرهم بالعدل وتقويم آرائهم وأعمالهم .