فهرس الكتاب
وقد دلت الآثار على أن شهادة المسلمين هذه حادثة وحاصلة في الدنيا ، كما أنها أيضا واقعة وكائنة في الآخرة . أما الشهادة في الدنيا فقد دل عليها ما رواه أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ:"مُرَّ بِجَنَازَةٍ فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا خَيْرًا ، فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَجَبَتْ وَجَبَتْ وَجَبَتْ . وَمُرَّ بِجَنَازَةٍ فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا شَرًّا ، فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَجَبَتْ وَجَبَتْ وَجَبَتْ . قَالَ عُمَرُ: فِدًى لَكَ أَبِي وَأُمِّي ، مُرَّ بِجَنَازَةٍ فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا خَيْرٌ فَقُلْتَ وَجَبَتْ وَجَبَتْ وَجَبَتْ ، وَمُرَّ بِجَنَازَةٍ فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا شَرٌّ فَقُلْتَ وَجَبَتْ وَجَبَتْ وَجَبَتْ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَنْ أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ وَمَنْ أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا وَجَبَتْ لَهُ النَّارُ ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ . وأما الشهادة في الآخرة فقد دل عليها حديث أبي سعيد الخدري ، قال: قال رسول ا صلى الله عليه وسلم"يدعى نوح يوم القيامة ، فيقول لبيك وسعديك يا رب . فيقول: هل بلغت؟ فيقول نعم ، فيقال لأمته هل بلغكم؟ فيقولون ما أتانا من نذير. فيقول من يشهد لك فيقول محمد وأمته فتشهدون أنه قد بلغ ، ويكون الرسول عليكم شهيدا ، فذلك قوله جل ذكره ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا) ، والوسط العدل .
وقد أشار بعض المفسرين الأوائل لمعنى الشهادة على الناس المقصودة في الآية ، ولكن قد فصّلها تفصيلا وافيا بعض المعاصرين . وخلاصة أقوال الأوائل ذكرها أبوحيان في تفسيره في البحر المحيط حين قال:
"وفي شهادتهم هنا أقوال: أحدها: ما عليه الأكثر من أنها في الآخرة، وهي شهادة هذه الأمة للأنبياء على أممهم الذين كذبوهم، وقد روي ذلك نصاً في الحديث في البخاري وغيره . وقيل: الشهادة تكون في الدنيا. واختلف قائلوا ذلك، فقيل: المعنى يشهد بعضكم على بعض إذا مات، كما جاء في الحديث من أنه مر بجنازة فأثنى عليها خيراً، وبأخرى فأثنى عليها شرًّا، فقال الرسول:"وجبت"يعني الجنة والنار،"أنتم شهداء الله في الأرض"ثبت ذلك في مسلم. وقيل: الشهادة الاحتجاج، أي لتكونوا محتجين على الناس، حكاه الزّجاج. وقيل: معناه لتنقلوا إليهم ما علمتموه من الوحي والدين كما نقله رسول ا صلى الله عليه وسلم ."
ومن المعاصرين الذين فصلوا معنى الشهادة سيد قطب في تفسيره في ظلال القرآن ، قال:
"إنها الأمة الوسط التي تشهد على الناس جميعا ، فتقيم بينهم العدل والقسط ; وتضع لهم الموازين والقيم ;وتبدي فيهم رأيها فيكون هو الرأي المعتمد ; وتزن قيمهم وتصوراتهم وتقاليدهم وشعاراتهم فتفصل في أمرها ، وتقول:هذا حق منها وهذا باطل . لا التي تتلقى من الناس تصوراتها وقيمها وموازينها . وهي شهيدة على الناس ، وفي مقام الحكم العدل بينهم . . وبينما هي تشهد على الناس هكذا ، فإن الرسول هو الذي يشهد عليها ; فيقرر لها موازينها وقيمها ; ويحكم على أعمالها وتقاليدها ; ويزن ما يصدر عنها ، ويقول فيه الكلمة الأخيرة ."
معالم الوسط
قد اتضح مما سبق أن الوسط مصطلح جامع يشمل كل خير وعدل ويجافي كل تطرف مذموم . ولا شك أن الإسلام كله من هذه الزاوية هو دين الوسط ، وكما أن الله عز وجل قد عبر عن الإسلام بوصف الصراط المستقيم ، ووصف دين الحق ، وغير ذلك من الأوصاف ، فالصفات والتعابير مختلفة ولكن المسمى واحد . فكذلك الوسط والإسلام ما هما إلا وصفان ولفظان لنفس الشئ . وينتج من ذلك أن مقومات الوسط ومعاييره هي هي مقومات الإسلام ومعاييره سواء بسواء . وقد حاول بعض العلماء النص على بعض معالم الوسط هذه أوتعدادها ، منهم شيخ الإسلام ابن تيمية وسيد قطب والشيخ ناصر العمر والشيخ عبد الرحمن عبد الخالق ، ولكن ما ذكروه لا يعدو أن يكون أمثلة لما رأوه من وسطية الإسلام ، وكل منهم يعبر عن الوسط ببعض صفاته ، وليس على سبيل الحصر والاستقصاء . فابن تيمية مثلا نظر إلى وسطية الإسلام مقارنة باليهودية والنصرانية ، وعدد هذه الوسطية في مسأئل من العقيدة والشريعة ، منها صفات الله ومكانة الأنبياء والرسل والعلماء والأولياء ، ومنها مسألة النسخ والتشريع والتحليل والتحريم ، ثم ختم بقوله (وهذا باب يطول وصفه ) ، إذ أنه لم يذكر إلا بعضا من مظاهر الوسط في الإسلام ، فكان مما قال: