فهرس الكتاب
"ملة الإسلام وسط في الملل ، فالمسلمون وسط في أنبياء الله ورسله وعباده الصالحين ؛ لم يغلوا فيهم كما غلت النصارى فاتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون ، ولا جفوا عنهم كما جفت اليهود ؛ فكانوا يقتلون الأنبياء بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس وكلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم كذبوا فريقا وقتلوا فريقا . بل المؤمنون آمنوا برسل الله وعزروهم ونصروهم ووقروهم وأحبوهم وأطاعوهم ولم يعبدوهم ولم يتخذوهم أربابا كما قال تعالى: { ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون } { ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون } . ومن ذلك أن المؤمنين توسطوا في"المسيح"فلم يقولوا هو الله ولا ابن الله ولا ثالث ثلاثة كما تقوله النصارى ولا كفروا به وقالوا على مريم بهتانا عظيما حتى جعلوه ولد بغية كما زعمت اليهود بل قالوا هذا عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول وروح منه . وكذلك المؤمنون"وسط في شرائع دين الله"فلم يحرموا على الله أن ينسخ ما شاء ويمحو ما شاء . ويثبت كما قالته اليهود كما حكى الله تعالى ذلك عنهم بقوله: { سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها } وبقوله: { وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه وهو الحق مصدقا لما معهم } . ولا جوزوا لأكابر علمائهم وعبادهم أن يغيروا دين الله فيأمروا بما شاءوا وينهوا عما شاءوا كما يفعله النصارى كما ذكر الله ذلك عنهم بقوله: { اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله } . قال { عدي بن حاتم رضي الله عنه قلت: يا رسول الله ما عبدوهم ؟ قال: ما عبدوهم ؛ ولكن أحلوا لهم الحرام فأطاعوهم وحرموا عليهم الحلال فأطاعوهم } . والمؤمنون قالوا:"لله الخلق والأمر"فكما لا يخلق غيره لا يأمر غيره . وقالوا: سمعنا وأطعنا ؛ فأطاعوا كل ما أمر الله به . وقالوا: { إن الله يحكم ما يريد } . وأما المخلوق فليس له أن يبدل أمر الخالق تعالى ولو كان عظيما . وكذلك في صفات الله تعالى: فإن اليهود وصفوا الله تعالى بصفات المخلوق الناقصة ؛ فقالوا: هو فقير ونحن أغنياء . وقالوا: يد الله مغلولة . وقالوا: إنه تعب من الخلق فاستراح يوم السبت . إلى غير ذلك . والنصارى وصفوا المخلوق بصفات الخالق المختصة به فقالوا: إنه يخلق ويرزق ؛ ويغفر ويرحم ويتوب على الخلق ويثيب ويعاقب . والمؤمنون آمنوا بالله سبحانه وتعالى ليس له سمي ولا ند ولم يكن له كفوا أحد وليس كمثله شيء . فإنه رب العالمين وخالق كل شيء وكل ما سواه عباد له فقراء إليه { إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا } { لقد أحصاهم وعدهم عدا } { وكلهم آتيه يوم القيامة فردا } . ومن ذلك أمر الحلال والحرام . فإن اليهود كما قال الله تعالى: { فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم } فلا يأكلون ذوات الظفر ؛ مثل الإبل والبط . ولا شحم الثرب والكليتين ؛ ولا الجدي في لبن أمه . إلى غير ذلك مما حرم عليهم من الطعام واللباس وغيرهما ؛ حتى قيل: إن المحرمات عليهم ثلاثمائة وستون نوعا . والواجب عليهم مئتان وثمانية وأربعون أمرا وكذلك شدد عليهم في النجاسات حتى لا يؤاكلوا الحائض ولا يجامعوها في البيوت . وأما النصارى فاستحلوا الخبائث وجميع المحرمات وباشروا جميع النجاسات وإنما قال لهم المسيح { ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم } ولهذا قال تعالى: { قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون } . وأما المؤمنون فكما نعتهم الله به في قوله: { ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون } { الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون } . وهذا باب يطول وصفه ."
أما سيد قطب فقد عدد وسطية الأمة في أمور منها التوازن بين مطالب الروح والجسد في التصور والاعتقاد ، وبين الثبات والجمود والتطور والانفلات في التفكير والشعور، وبين سوط السلطان ومراقبة الضمير في التنظيم والتنسيق ، وبين الفردية والجماعية في الارتباطات والعلاقات، وبين الشرق والغرب في والمكان ، وبين طفولة البشرية ورشدها العقلى في الزمان . فقال:
"وإنها للأمة الوسط بكل معاني الوسط سواء من الوساطة بمعنى الحسن والفضل ، أو من الوسط بمعنى الاعتدال والقصد ، أو من الوسط بمعناه المادي الحسي . ."