فهرس الكتاب

الصفحة 15194 من 27364

منهج العلم: ومن أجل أن يتبين الحق والعدل والوسط الذي تقوم به حياة الناس بالقسط ، فلا بد من من منهج علمي سليم تتمايز به حقائق الأشياء وتوزن به التصورات والأفكار والقيم والمناهج . والقرآن والسنة قد أوضحا هذا المنهج أحسن توضيح . من ذلك أنه لا بد لكل حقيقة أن تثبت بدليل وبرهان من عقل أو حس أو خبر . قال تعالى:"وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ". وقال:"وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا". ولا يعتمد في اثبات الحقائق على الحدس والخرص والظنون . قال تعالى:"وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا". وعند التفكر في الحقائق ينبغي أن يتجرد النظر من هوى الأنفس إذ أن التفكير بالعاطفة يصرف عن الحق ، قال تعالى:"إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى".

ومن أكبر أسباب اضطراب حياة المسلمين تأثرهم بالمناهج العلمية والفكرية الجاهلية . فقد روى البخاري في صحيحه عن أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَأْخُذَ أُمَّتِي بِأَخْذِ الْقُرُونِ قَبْلَهَا شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ ، فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَفَارِسَ وَالرُّومِ؟ فَقَالَ: وَمَنْ النَّاسُ إِلَّا أُولَئِكَ". فقد أثرت الفلسفة اليونانية ورهبانية الهند على المسلمين فحطتهم من تفوقهم العلمى والحضارى ، وأثرت مادية الغرب المعاصرة على كثير من اتجاهات المسلمين الحاضرة ، وحولتهم قردة مقلدين لها في كل صغيرة وكبيرة دون نقد ولا تمحيص ، وغشتهم بعلمانيتها وعصرانيتها ونظرتها للحداثة . والمنهج الإسلامي السليم لا بد له من أن يتجرد من كل ذلك الغبش والركام .

الثابت والمتغير: ومن آثار الحداثة بمفهومها الغربي على تفكير المسلمين المعاصرين خلطهم بين الثابت والمتغير والدائم والمتطور في الدين ، وتشوش عليهم بسبب ذلك فهم بعض القواعد الفقهية ، من مثل تغير الفتوى بتغير الزمان والمكان ، وإعمال مبدأ المصلحة ومقاصد الشريعة . وقد ظهرت بين الناس فئة يصدق عليهم وصف"فقهاء بلا حدود"، يفتون في أعقد المسائل وقد لا يحسن أحدهم إعراب بسم الله الرحمن الرحيم . وقابلتهم فئة أخرى جمدت على كل موروث ومنقول ، دون نقد ولا تمحيص . والوسط بين تفريط أولئك وإفراط هؤلاء ، وكثير من قضايا العصر تحتاج إلى دقة في الفهم وضبط لأحكام الاجتهاد ، ولا يصلح للتصدي لها إلا أهلها ومن يأتيها من أبوابها عن دراية وعلم بأسس الشريعة ، وبصيرة وإدراك تمييز بين متطلبات العصر وأهوائه ، حتى يحسن بذلك الجمع بين االأصالة والمعاصرة وبين السلفية والتجديد .

العصبية: وافتراق الأمة شيعا وأحزابا متناحرة ما هو إلا أثر من إطراح المنهج العلمي السليم الذي عليه جماعة المسلمين ، وبسبب العصبية والبغي والظلم بين هذه الفرق تتأجج نار الفرقة والإنقسام ، ولو ردوا التنازع إلى المنهج العلمي السليم لاهتدوا إلى الحق ، كما قال الله تعالى:"كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ". وموقف المسلم من هذه الفرق أن يكون رائده الحق والحجة والدليل، ولا شك أن الحق في الأمور الكلية والأصول واحد ولا يتعدد ، أما الأمور الجزئية فالتعدد فيه مندوحة ، والمجتهد المخطئ سواء في الكليات والأصول أو الجزئيات والفروع معذور مأجور . فليأخذ المرء من كل طائفة بأحسنها ولا يتعصب لشخص أو مذهب أو طريقة ، وليجتهد الكل في الإعتصام بأصول اليدن وكلياته التي تلقتها ألأمة بالقبول ، وإرجاع الأمور العلمية والعملية إلى مصادرها وأهل العلم والخبرة بها ، إذ كل قوم أعلم بصناعتهم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت