فهرس الكتاب
الوسط السياسي: والسياسة من المجالات التى شغل بها أكثر الناس ، ودخلت كل بيت وصارت حديث كل مجلس وكثر فيها الاختلاف والتنازع ، مع أن الامر فيها قريب سهل . وأكثر ما يدخل على الناس من الخطأ فيها يكون سببه أمران . الأول أن السياسة في عصرنا تتبع أساليب الغربين من مكر وخديعة وكذب ، ولا يتسنى لكثير من الناس معرفة الحقيقة التى تضيع بين دعايات السياسين وأبواقهم الإعلامية الضخمة التى تفعل في الناس فعل السحر . الامر الثانى الذي قد يفوت على بعض الإسلاميين أن السياسة قليلا ما تقوم على نصوص شرعية محكمة بل تعتمد على المصالح المرسلة . والمصالح أمر واسع ، وإن اختلف حولها الناس فالاختلاف فيه مندوحة . فالسياسة لا ينبغي أن تصادم نصا أو أمرا معلوما من الدين ، أو تعارض مقاصد الشرع وقواعده ، ولكن ما وراء ذلك عفو فيه متسع لاستعمال الرأي والعقل وموازنة المصالح والمفاسد . وممن شرح هذه القضية الإمام ابن القيم في حديثه عن السياسة الشرعية ، ورده على من قال لا سياسة إلا ما وافق الشرع . وإن كان جل حديثه عن استعمال السياسة في العقوبات الشرعية ، إلا أنه عام في كل سياسة . يقول ابن القيم:
"السياسة ما كان فعلا يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد ، وإن لم يضعه الرسو صلى الله عليه وسلم ولا نزل به وحي . فإن أردت بقولك إلا ما وافق الشرع أي لم يخالف ما نطق به فصحيح ، وإن أردت لا سياسة إلا ما نطق به الشرع فغلط وتغليط للصحابة ، فقد جرى من الخلفاء الراشدين من القتل والتمثيل ما لا يجحده عالم بالسنن ، ولو لم يكن إلا تحريق عثمان المصاحف فإنه كان رأيا اعتمدوا فيه على مصلحة الأمة ، وتحريق علي رضي الله عنه الزنادقة في الأخاديد وقال:"
لما رأيت الأمر أمرا منكرا ** أججت ناري ودعوت قنبرا
ونفى عمر لنصر بن حجاج .
وهذا موضع مزلة أقدام ومضلة أفهام ، وهو مقام ضنك ومعترك صعب، فرط فيه طائفة فعطلوا الحدود وضيعوا الحقوق ، وجرءوا أهل الفجور على الفساد وجعلوا الشريعة قاصرة لا تقوم بمصالح العباد ، محتاجة إلى غيرها وسدوا على نفوسهم طرقا صحيحة من طرق معرفة الحق والتنفيذ له وعطلوها ، مع علمهم وعلم غيرهم قطعا أنها حق مطابق للواقع ، ظنا منهم منافاتها لقواعد الشرع ، ولعمر الله إنها لم تناف ما جاء به الرسول وإن نافت ما فهموه من شريعته باجتهادهم .
والذي أوجب لهم ذلك نوع قصير في معرفة الشريعة وتقصير في معرفة الواقع ، وتنزيل أحدهما على الآخر . فلما رأى ولاة الأمور ذلك وأن الناس لا يستقيم لهم أمرهم إلا بأمروراء ما فهمه هؤلاء من الشريعة ، أحدثوا من أوضاع سياساتهم شرا طويلا وفسادا عريضا ، فتفاقم الأمر وتعذر استدراكه ، وعز على العالمين بحقائق الشرع تخليص النفوس من ذلك واستنقاذها من تلك المهالك . وأفرطت طائفة أخرى قابلت هذه الطائفة فسوغت من ذلك ما ينافي حكم الله ورسوله
وكلتا الطائفتين أتيت من تقصيرها في معرفة ما بعث الله به رسوله وأنزل به كتابه ، فإن الله سبحانه أرسل رسله وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقسط ، وهو العدل الذي قامت به الأرض والسموات . فإذا ظهرت أمارات العدل وأسفر وجهه بأي طريق كان فثم شرع الله ودينه . والله سبحانه أعلم وأحكم وأعدل أن يخص طرق العدل وأماراته وأعلامه بشيء ، ثم ينفي ما هو أظهر منها وأقوى دلالة وأبين أمارة فلا يجعله منها ولا يحكم عند وجودها وقيامها بموجبها . بل قد بين سبحانه بما شرعه من الطرق أن مقصوده إقامة العدل بين عباده وقيام الناس بالقسط فأي طريق استخرج بها العدل والقسط فهي من الدين وليست مخالفة له . فلا يقال إن السياسة العادلة مخالفة لما نطق به الشرع ، بل هي موافقة لما جاء به بل هي جزء من أجزائه ، ونحن نسميها سياسة تبعا لمصطلحهم ، وإنما هي عدل الله ورسوله ظهر بهذه الأمارات والعلامات .""
والأمرالوسط في السياسة الاشتغال بما يفيد الناس ويهمهم ، وعدم تضييع الأوقات في ما لا علاقة له بمصالح الناس المباشرة ، وتوجيه الهمة للهموم الكبرى والمشكلات العظمى ، والتغاضى عن صغائر الأمور وسفاسفها ، وطرح الإشاعات والقيل والقال ، عملا بقول الرسو صلى الله عليه وسلم فيما رواه الترمذي وغيره عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله"من حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه". واتباعا لقول الله تعالى: ( وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا) . قال ابن كثير عن الأية أنها"إِنْكَار عَلَى مَنْ يُبَادِر إِلَى الْأُمُور قَبْل تَحَقُّقهَا فَيُخْبِر بِهَا وَيُفْشِيهَا وَيَنْشُرهَا وَقَدْ لَا يَكُون لَهَا صِحَّة".
من معالم الوسط في العمل