فهرس الكتاب
سيقتصر الحديث هنا على ثلاثة معالم في ميدان العمل: الشمول في أخذ الدين كله دون تجزئة بعضه عن بعض ، والبصر والفقه بالأولويات والتقديم والتأخير، ومعرفة مواطن الرفق والتيسير دون تقصير أو تحريف ومواضع الشدة والحزم دون تنطع أو غلو.
الشمول: العمل مصداق العلم ولا ينفصل أحدهما عن الآخر إلا كان شقاء وبلاء ، فالعلم بلا عمل كالعمل بلا علم ، كلاهما انحراف وتطرف ، والوسط أن يكون العلم قائد العمل والعمل دليل العلم وبرهانه. ويتنوع العمل الصالح ويتعدد ، وله ميادين كثيرة ومجالات شتى ، ويخطئ كثير من الناس حين يحصرون الدين في مجال دون مجال أو ميدان دون ميدان ، بل العمل الإسلامي يشمل كل جوانب الحياة ، وهذا معنى قول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِين) ، والسِّلم هنا المقصود به الإسلام ، ومعنى الآية كما ذكر الطبري:"اُدْخُلُوا فِي الْإِسْلَام كَافَّة ... فَإِنْ قَالَ: فَمَا وَجْه دُعَاء الْمُؤْمِن بِمُحَمِّدٍ وَبِمَا جَاءَ بِهِ إلَى الْإِسْلَام ؟ قِيلَ: وَجْه دُعَائِهِ الْأَمْر له بِالْعَمَلِ بِجَمِيعِ شَرَائِعه ، وَإِقَامَة جَمِيع أَحْكَامه وَحُدُوده ، دُون تَضْيِيع بَعْضه وَالْعَمَل بِبَعْضِهِ . وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ مَعْنَاهُ ، كَانَ قَوْله { كَافَّة } مِنْ صِفَة السِّلْم". وروى مسلم عن سلمان قال قيل له"قد علمكم نبيكم r كل شيء حتى الخراءة"، قال فقال أجل .
ولكن مما لاشك فيه أن شمول الفهم للإسلام غير شمول العمل ، إذ أن العمل في أي ميدان يكون حسب الاستطاعة ، لحديث أبي هريرة رضى الله عنه في البخاري ومسلم عن صلى الله عليه وسلم قال:"إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم". ومن ثَمَّ تتنوع أعمال الخير حسب مقدرات الناس ومؤهلاتهم ، وأنواع الخير وطرقه وأصنافه كثيرة ، فمن فتح له منها باب فليجتهد فيه وليتخصص فيه . ومن هذا المنطلق لا لوم على كثير من جماعات المسلمين أو أفرادهم أن يختص كل منهم بنوع من الخير، ويصبح ذلك سمة مميزة لهم دون غيرهم ، ولا بأس أن يشتغل بعض الناس ببعض الجزئيات ، إذ كثيرا ما لا يستطيع كل الناس أن يسبقوا في أنواع الخير ، ويكمل المسلمون بعضهم بعضا جماعات كانوا أو أفرادا . وإن كان لا شك أن من تكاملت فيه خصال الخير فردا أو جماعة ، وبلغ في ذلك الشمول أنه يفوق غيره في الفضل والمكانة والخيرية . وليس أدل على ذلك من حديث الرسو صلى الله عليه وسلم في أبواب الجنة . فقد روى مسلم عن أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلمقَالَ:"مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ نُودِيَ فِي الْجَنَّةِ يَا عَبْدَ اللَّهِ هَذَا خَيْرٌ فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلَاةِ وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجِهَادِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الْجِهَادِ وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا عَلَى أَحَدٍ يُدْعَى مِنْ تِلْكَ الْأَبْوَابِ مِنْ ضَرُورَةٍ فَهَلْ يُدْعَى أَحَدٌ مِنْ تِلْكَ الْأَبْوَابِ كُلِّهَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلمنَعَمْ وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ".