فهرس الكتاب
ترتيب الأولويات: والأخذ بمبدأ الشمولية في العمل الصالح لا تنافي اعتبار أولوياته وتقديم مهماته ، فإن لكل وقت وظرف وحال ما يليق به من العمل الصالح . وترتيب أولويات العمل من الضرورات التى يحتاج إليها كل عامل ، ذلك أن الواجبات أكثر من الأوقات ، وكثير من الناس يقصر في هذه الناحية فيقع في إفراط أو تفريط ، والوسط أن يعطى كل وقت ما يلائمه من واجب . فالفروض العينية واجب مشترك على كل الناس ، وكل من تعين عليه واجب كفائى عليه الإهتمام باتيانه وتقديمه على ما سواه ، وكثير من التفريط يأتي من الاشتغال بفرض مع تضييع فرائض أخرى أو الاشتغال بالنوافل والسنن مع التفريط في الفروض ، كمن يشتغل بكسب عيشه على حساب حقوق أهله وأولاده أو من يشتغل بمصالحه الخاصة على حساب مصلحة المسلمين العامة . وفي الحديث الصحيح"وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه". ولابن القيم في ذلك كلمة جامعة إذ يقول:"إن أفضل العبادة العمل على مرضاة الرب في كل وقت بما هو مقتضى ذلك الوقت ووظيفته فأفضل العبادات في وقت الجهاد الجهاد وإن آل إلى ترك الأوراد من صلاة الليل وصيام النهار بل ومن ترك إتمام صلاة الفرض كما في حالة الأمن . والأفضل في وقت حضور الضيف مثلا القيام بحقه والإشتغال به عن الورد المستحب وكذلك في أداء حق الزوجة والأهل . والأفضل في أوقات السحر الإشتغال بالصلاة والقرآن والدعاء والذكر والإستغفار . والأفضل في وقت استرشاد الطالب وتعليم الجاهل الإقبال على تعليمه والإشتغال به . والأفضل في أوقات الأذان ترك ما هو فيه من ورده والإشتغال بإجابة المؤذن . والأفضل في أوقات الصلوات الخمس الجد والنصح في إيقاعها على أكمل الوجوه والمبادرة إليها في أول الوقت والخروج إلى الجامع وإن بعد كان أفضل . والأفضل في أوقات ضرورة المحتاج إلى المساعدة بالجاه أو البدن أو المال الإشتغال بمساعدته وإغاثة لهفته وإيثار ذلك على أورادك وخلوتك . والأفضل في وقت قراءة القرآن جمعية القلب والهمة على تدبره وتفهمه حتى كأن الله تعالى يخاطبك به فتجمع قلبك على فهمه وتدبره والعزم على تنفيذ أوامره أعظم من جمعية قلب من جاءه كتاب من السلطان على ذلك . والأفضل في وقت الوقوف بعرفة الإجتهاد في التضرع والدعاء والذكر دون الصوم المضعف عن ذلك . والأفضل في أيام عشر ذي الحجة الإكثار من التعبد لا سيما التكبير والتهليل والتحميد فهو أفضل من الجهاد غير المتعين . والأفضل في العشر الأخير من رمضان لزوم المسجد فيه والخلوة والإعتكاف دون التصدي لمخالطة الناس والإشتغال بهم حتى إنه أفضل من الإقبال على تعليمهم العلم وإقرائهم القرآن عند كثير من العلماء . والأفضل في وقت مرض أخيك المسلم أو موته عيادته وحضور جنازته وتشييعه وتقديم ذلك على خلوتك وجمعيتك . والأفضل في وقت نزول النوازل وأذاة الناس لك أداء واجب الصبر مع خلطتك بهم دون الهرب منهم فإن المؤمن الذي يخالط الناس ليصبر على أذاهم أفضل من الذي لا يخالطهم ولا يؤذونه . والأفضل خلطتهم في الخير فهي خير من اعتزالهم فيه واعتزالهم في الشر فهو أفضل من خلطتهم فيه فإن علم أنه إذا خالطهم أزاله أو قلله فخلطتهم حينئذ أفضل من اعتزالهم . فالأفضل في كل وقت وحال إيثار مرضاة الله في ذلك الوقت والحال والإشتغال بواجب ذلك الوقت ووظيفته ومقتضاه".