فهرس الكتاب

الصفحة 15198 من 27364

التيسير والرفق: ومن معالم الوسط في العمل اليسر والرفق ، فإن شرائع الدين كلها قائمة على مراعاة الطبيعة البشرية والغرائز الفطرية ، وتكليف كل امرئ حسب طاقته وجهده ، والدفع به في طريق البناء والكمال دون كبت لمشاعره وغرائزه ودون انفلات وجموح . وقد أبانت آيات وأحاديث كثيرة ضرورة الأخذ بالرخص في مواضعها والعزائم في مواضعها ، واتباع الرفق والتيسير ورفع الحرج دون تقصير أو تحريف ودون تنطع أو غلو . منها قول الله تعالى: (هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) . ومنها حديث مسلم عن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"هلك المتنطعون قالها ثلاثا"، والمتنطعون - كما قال النووي - هم المتعمقون الغالون المجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم . ومنها حديث أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنْ الدُّلْجَةِ". وعقب اِبْن الْمُنِير على هذا فقال:"فِي هَذَا الْحَدِيث عَلَم مِنْ أَعْلَام النُّبُوَّة ، فَقَدْ رَأَيْنَا وَرَأَى النَّاس قَبْلنَا أَنَّ كُلّ مُتَنَطِّع فِي الدِّين يَنْقَطِع ، وَلَيْسَ الْمُرَاد مَنْع طَلَب الْأَكْمَل فِي الْعِبَادَة فَإِنَّهُ مِنْ الْأُمُور الْمَحْمُودَة ، بَلْ مَنْع الْإِفْرَاط الْمُؤَدِّي إِلَى الْمَلَال ، أَوْ الْمُبَالَغَة فِي التَّطَوُّع الْمُفْضِي إِلَى تَرْك الْأَفْضَل ، أَوْ إِخْرَاج الْفَرْض عَنْ وَقْته كَمَنْ بَاتَ يُصَلِّي اللَّيْل كُلّه وَيُغَالِب النَّوْم إِلَى أَنْ غَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ فِي آخِر اللَّيْل فَنَامَ عَنْ صَلَاة الصُّبْح فِي الْجَمَاعَة ، أَوْ إِلَى أَنْ خَرَجَ الْوَقْت الْمُخْتَار ، أَوْ إِلَى أَنْ طَلَعَتْ الشَّمْس فَخَرَجَ وَقْت الْفَرِيضَة". ومنها حديث ابن عباس قال: قال رسول ا صلى الله عليه وسلم:"إن الله تبارك وتعالى يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه".

من معالم الوسط في الدعوة

يتناول الحديث هنا خمسة محاور من معالم الوسط في الدعوة: الصدع بالرأي بعد التحقق من صحته دون محاباة أو خشية ، والعدل والإنصاف في الحكم على الناس عوامهم وعلمائهم وحكامهم وإنزالهم منزلتهم مؤيدين أو مخالفين ، والحوار بالحسنى مع الولاء للحق والتحرر من التعصب للأشخاص والمذاهب والطوائف والأحزاب ، والتعاون في الحق والعدل والخير مع كل الناس ، والقوة والقدرة على تغيير الواقع بأفضل السبل دون تعد على الحقوق أو ركون إلى الظلم .

الصدع بالحق: فمن أولى التوجيهات القرآنية في الدعوة قول الله تعالى: (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ) ، والصدع هو الجهر بالحق في بيان قوى نافذ ، لا يحلق في عالم المثل والأحلام ولا يلين لضغوط الواقع . فقد خاطب القرآن واقع العرب أولا وعالج مشكلاتهم وعقائدهم وقيمهم ، وخاطب من خلال ذلك البشر كافة وأرسى المبادئ والقواعد الثابتة لكل عصر ومكان . ولأن الحق قد يواجه واقعا صعبا فإن الداعية معرض لإإغراء التنازل والتوافق والمهادنة عن بعضه من أجل مسايرة الناس وطمعا في استمالتهم ، ولهذا كان من توجيهات الله سبحانه لرسوله قوله (وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ) ، وقوله: (وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا ) . فمن الوسط في الدعوة الخطاب المناسب للمخاطبين باللسان الذي يفهمونه والمصطلحات المتداوله بينهم والواقع الثقافي والاجتماعى الذي يعيشونه ، لكن دون مداهنة ولا ركون .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت