فهرس الكتاب

الصفحة 15199 من 27364

الإنصاف في الحكم على الناس: والخطاب الإسلامي في معالجته للواقع وبيانه للحق ، يحتاج للإنصاف في تقويم المواقف والحكم على أقوال الناس وأعمالهم ، عامتهم وخاصتهم ، وخاصة حين التصدي لتقويم العلماء والحكام والجماعات والطوائف . والشهادة على الناس كما تبين في صدر البحث هى وظيفة الوسط وغايته . ولا تنال هذه المكانه من تقويم الناس والحكم عليهم إلا بالعدل والإنصاف وهو الوسط ، الذي أمر الله به حتى مع الأعداء حين قال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) . ومما فسر به الطبري هذه الاية قوله:"يعني بذلك جل ثناؤه: يا أيها الذين آمنوا بالله وبرسوله محمد ، ليكن من أخلاقكم وصفاتكم القيام لله ، شهداء بالعدل في أوليائكم وأعدائكم ، ولا تجوروا في أحكامكم وأفعالكم ، ولا يحملنكم عداوة قوم على ألا تعدلوا في حكمكم فيهم وسيرتكم بينهم ، فتجوروا عليهم من أجل ما بينكم وبينهم من العداوة . ومن النماذج في ذلك التى ضربها الله لنا مثلا في القرآن حين نقد أهل الكتاب فأنصفهم ، وقال أنهم ليسوا سواء فمنهم المجرم والشرير وفيهم المحسن الخيِّر ، وأبان معايبهم ونواقصهم ولم ينس ما فيهم من خير فذكره وأشاد به . فليست مهمة الداعية لذع الناس وجمع عيوبهم وفضحها ، ونسيان ما لهم من فضل وما فيهم من خير ، بل مهمة الداعية الإصلاح والقول لمن أحسن أحسنت وللمسيئ أسأت صديقا كان أو عدوا وموافقا أو مخالفا . وقد ذكر مسلم في أول صحيحه تعليقا عن عائشة رضي الله عنها قالت: أمرنا رسول ا صلى الله عليه وسلم أن ننزل الناس منازلهم ."

الحوار بالحسنى: ومن الوسط في الدعوة الحوار والجدال الحسن ، وهو من طرق الدعوة التى أمر الله بها حين قال: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) . والجدل الحسن هو الذي يكون الغاية منه إظهار الحق ولو كان ظهور ذلك على لسان الخصم . ومما جاء في أدب الحوار ما قاله الغزاليّ أبو حامد: ( التعاون على طلب الحق من الدّين ، ولكن له شروط وعلامات ؛ منها أن يكون في طلب الحق كناشد ضالّة ، لا يفرق بين أن تظهر الضالّة على يده أو على يد معاونه . ويرى رفيقه معيناً لا خصماً . ويشكره إذا عرَّفه الخطأ وأظهره له ) . ومن مقولات الإمام الشافعي المحفوظة: ( ما كلمت أحداً قطّ إلا أحببت أن يُوفّق ويُسدّد ويُعان ، وتكون عليه رعاية الله وحفظه . وما ناظرني فبالَيْتُ ! أَظَهَرَتِ الحجّةُ على لسانه أو لساني ) . ومن حسن الحوار الولاء للدليل والدور معه حيث دار ، إذ الحق مع الدليل والبرهان نقلا أو عقلا ، ولهذا كان من قواعد الحوار:"إن كنت ناقلاً فالصحة ، وإن كنت مدَّعيّاً فالدليل"، ومن كان رائده الدليل لم يتعصب لشخص أو جماعة أو طائفة . ومن حسن الحوار التواضع وخفض الجناح والسكينة والوقار، ولين الكلام وغض الصوت فإن رفع الصوت رعونة وإيذاء .

التعاون في الخير: وجماع هذا المعلم من معالم الوسطية ما قاله الله تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) ، والمقصود منه أن الله عز وجل يأمر في هذه الآية البشرية جمعاء والمسلمون خاصة ، أن المعاونة والتناصر والمساعدة والاجتماع والتحالف يكون في الخير والمنافع والمصالح ولا يكون في الشرور والباطل والمضار . فإن كثيرا من الأعمال لا تتم بحهود فرد وإنما تحتاج إلى جهد جماعى وتعاون بين محموعات كثيرة أو قليلة من الناس . فهذه الجهود الجماعية بين البشر لا يصلح أن تجتمع على الإثم والعدوان بل ينبغى أن تجتمع على البر والتقوى . وهذا التعاون يحتاج إلى عدة أمور حتى يؤتي ثماره في ميدانين ميدان العلم وميدان العمل . فمن الناحية العلمية والنظرية لا بد من وضوح معانى الخير والبر ومعانى الشر والإثم والعدوان . ذلك أن هذه المعانى يغشاها كثير من التلبيس والطمس كما نرى في عصرنا الحاضر حين يسمى الشر بغير اسمه ويزين ويجمل كأنه خير ويسمى الخير بغير اسمه ويشوه ويعتم حتى يبدو للناس المنكر معروفا والمعروف منكرا . وقد قال الله تعالى"وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ". وقد جاء في الحديث الصحيح أن الرسو صلى الله عليه وسلم قال: إن الإسلام بدأ غريبا، و سيعود غريبا كما بدأ، فطوبى للغرباء قيل: من هم يا رسول الله ؟ قال: الذين يصلحون إذا فسد الناس . فمفاهيم الاسلام ومفاهيم الخير والبر غريبه تخفى حتى على المسلمين فما بالك بغيرهم . وقد قال ابن تيمية إن الإسلا م في غربته يحتاج إلى بيان وتوضيح مثل ما احتاج أولا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت