فهرس الكتاب

الصفحة 15201 من 27364

والعمل بقاعدة وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان يقتضى أن يكون هذا بغض النظر عن الداعي للبر والتقوى حتى ولو كان غير مسلم . فقد قال الله تعالى أولا: ( وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآن قَوْم أَنْ صَدُّوكُمْ عَنْ الْمَسْجِد الْحَرَام أَنْ تَعْتَدُوا ) ، يعنى لا تحملكم عداوة الكفار وأفعالهم الشنيعة من صدكم عن المسجد الحرام عام الحديبية أن تعتدوا وتتجاوزوا العدل معهم ، ثم قال (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) . وقد قال الرسو صلى الله عليه وسلم عن حلف الفضول الذي كان في الجاهيلة"لقد شهدت مع عمومتي حلفا في دار عبد الله بن جدعان ما أحب أن لي به حمر النعم، رواه الإمام أحمد بسند صحيح وجاء في رواية مرسله ولو دعيت به في الإسلام لأجبت. فمن العمل بقاعدة وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان أنه يمكن للسلمين أن يتعاونوا حتى مع غير المسلمين على أمور الخير والبر ومصالح الإسلام وأن يعقدوا معهم الاتفاقات ويشاركوهم في المؤتمرات والمنظمات التى تقصد الخير . وهكذا ترون أن قاعدة وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان قاعدة هامة وشاملة ونافعة . منهج التغيير الوسط: التمكن من تغيير الواقع والنجاح في ذلك يقتضى أمران وصف الله تعالى بهما منهج الانبياء في قوله: (وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ) ، فنسب لهم خصلتان: قوة علمية نظرية من فقه وبصيرة ونظر وعقل وفكر سديد ، وقوة عملية تحول الفكر والنظر إلى واقع وفعل مشهود محسوس . وهذه القدرة على تغيير الأفكار والتصورات والقيم وتغيير العادات والمألوفات والأعمال كلها تحتاج إلى بصيرة نافذه بطرق التغيير ومنهجه . ومن ملامح ذلك القاعدة والسنة الإلهية التى قررها قول الله عز وجل (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) ، وهي توضح أن تغيير الواقع وتحسين الظروف المادية التى يعيشها الناس من رخاء وأمن وصحة وتمكين ونصر وغير ذلك ، كلها لا تحدث إلا إذا أحسن الناس إيمانهم وإسلامهم وعبوديتهم لله عز وجل . ولهذا فإن التغيير الإسلامي الحقيقي هو الذي يتجه إلى تغيير تدين الناس وتزكية أخلاقهم وإحسان صلتهم بربهم ، وهذا أولى الأولويات وما يكون من اهتمام بتنمية حياة الناس المادية فهو أمر مصاحب لتزكية النفوس وإصلاح القلوب عملا بقول الله تعالى: (فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ * وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ* أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ) ."

وطرق تغيير الواقع تتنوع وتتعدد حسب الطاقة والقدرة ، وحسب الظرف والحال ، وتبدأ من كراهية النفس وضيقها بالظلم والمنكرات ، وهذا واجب مشترك بين كل الناس ، وتتدرج إلى التغيير بالخطاب واللسان والكتابة والبيان والطرق السلمية المختلفة . ويحتاج التغيير باليد والقوة إلى فقه وبصر وموازنة المصالح والمضار ، تضعه في مواضعه التى شرعها الإسلام ، وتراعى في استعمال القوة العدل وحفظ الحقوق . فمنهج التغيير الإسلامي وسط بين الركون إلى الظلم ، وبين التعدي على الناس وظلمهم حقوقهم . أما الركون فمذموم من الله لقوله فيه (وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ) ، والركون معناه الرضا بالشئ والسكون والميل إليه والاستناد والاعتماد عليه ، وفسره اِبْن زَيْد فقال: الرُّكُون هُنَا الْإِدْهَان وَذَلِكَ أَلَّا يُنْكِر عَلَيْهِمْ . أما العدوان فمذموم من الله أيضا وفيه نصوص كثيرة معروفة ، ويكفي في الخطأ في استعمال العنف في غير محله ، ما قصه الله عن نبيه موسى حين قال: (وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ ) . وإنما ندم موسى لأنه سفك دما بريئا وهو لم يؤمر بالقتل في تلك الحال .

آثر الوسط في ائتلاف الصف الإسلامي

لعل هذه الكلمات المختصرات في بيان معنى الوسط ومقوماته في العلم والعمل والدعوة ، قد أوضحت أهمية سمة الوسط وما فيها من مدلولات كثيرة جامعة . والمتأمل في هذه المعالم يمكنه أن يستنتج منها ثمراتها الطيبة المباركة ، وخيرها الكثير العميم . ومن ذلك الاستقامة على الحق ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت