فهرس الكتاب
ثم تتنوع أعمال الخير حسب مقدرات الناس ومؤهلاتهم وأنواع أصنافه كثيرة فمن له منها باب فليجتهد فيه وليتخصص فيه ، ومن هذا المنطلق لا لوم على كثير من طوائف المسلمين التي اختصت كل طائفة منها بنوع من الخير وأصبحت سمة مميزة لهم دون غيرهم ، ولا بأس أن يشتغل بعض الناس ببعض الجزئيات إذ كثيرا ما لا يستطيع كل الناس أن يسبقوا في أنواع الخير وإن كان لا شك أن من تكاملت فيه خصال الخير وبلغ في ذلك الشمول أنه يفوق غيره في الفضل والمكانة والخيرية . وليس أدل على ذلك من حديث الرسو صلى الله عليه وسلم في أبواب الجنة . فقد روي البخاري ومسلم أن أن رسول ا صلى الله عليه وسلم قال: من أنفق زوجين في سبيل الله، نودي من أبواب الجنة: يا عبد الله هذا خير، فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة. فقال أبو بكر رضي الله عنه: بأبي وأمي يا رسول الله، ما على من دعي من تلك الأبواب من ضرورة، فهل يدعى أحد من تلك الأبواب كلها؟. قال: نعم، وأرجو أن تكون منهم.
وتتفاضل أعمال الخير بحسب النفع ، فإن كان النفع قاصرا على نفس العامل كان أقل من العمل الذي يتعدى نفعه وكلما اتسعت دائرة النفغ كان العمل أفضل وأعلى درجة من غيره . ولهذا كان الإشتغال بمصالح الناس وقضاء حوائجهم ومساعدتهم بالمال والجاه والنفع من أفضل الأعمال . ويحتج لهذا بنصوص كثيرة منها قول النبي"الخلق كلهم عيال الله وأحبهم إليه أنفعهم لعياله"رواه أبو يعلى .ولهذا كانت الصدقات وتعليم العلم والدعوة إلى الخير من أنفع الأعمال وأبقاها . وقد قال رسول الله لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم . وقال"من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه من غير أن ينقص من أجورهم شيء . وقال"إن الله وملائكته يصلون على معلمي الناس الخير وقال: إن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض حتى الحيتان في البحر والنملة في جحرها . وقال: إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له .
وتحليل الحلال وذلك بإتيانه معتقدا حله دائرة واسعة تشمل أنشطة كثيرة من الحياة . وفي صحيح مسلم { أرأيت إذا صليت الصلوات المكتوبات وصمت رمضان. وأحللت الحلال وحرمت الحرام. ولم أزد على ذلك شيئا. أأدخل الجنة؟ قال:"نعم"قال: والله! لا أزيد على ذلك شيئا. } . ومن هذا الباب الحديث الصحيح أن ناسا من أصحاب صلى الله عليه وسلم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم يا رسول الله ! ذهب أهل الدثور بالأجور. يصلون كما نصلي. ويصومون كما نصوم. ويتصدقون بفضول أموالهم. قال:"أو ليس قد جعل الله لكم ما تصدقون ؟ إن بكل تسبيحة صدقة. وكل تكبيرة صدقة. وكل تحميدة صدقة. وكل تهليلة صدقة. وأمر بالمعروف صدقة. ونهي عن منكر صدقة. وفي بضع أحدكم صدقة". قالوا: يا رسول الله ! أياتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر ؟ قال:"أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر ؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجرا". وإذا انضم إلى احلال الحلال ودائرة المبح نية صالحة كان العمل عبادة صالحة مرضية
وتتفاضل أعمال الخير بحسب الوقت والحاجة كما قال الله تعالى"لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ" (الحديد: 10) . فالإنفاق والدعوة في وقت الشدة والضيق أفضل من وقت اليسر والنصر .
أفضل العمل
ونختم بقاعدة جامعة من كلام ابن القيم وهي:
"إن أفضل العبادة العمل على مرضاة الرب في كل وقت بما هو مقتضى ذلك الوقت ووظيفته فأفضل العبادات في وقت الجهاد الجهاد وإن آل إلى ترك الأوراد من صلاة الليل وصيام النهار بل ومن ترك إتمام صلاة الفرض كما في حالة الأمن . والأفضل في وقت حضور الضيف مثلا القيام بحقه والإشتغال به عن الورد المستحب وكذلك في أداء حق الزوجة والأهل . والأفضل في أوقات السحر الإشتغال بالصلاة والقرآن والدعاء والذكر والإستغفار . والأفضل في وقت استرشاد الطالب وتعليم الجاهل الإقبال على تعليمه والإشتغال به . والأفضل في أوقات الأذان ترك ما هو فيه من ورده والإشتغال بإجابة المؤذن . والأفضل في أوقات الصلوات الخمس الجد والنصح في إيقاعها على أكمل الوجوه والمبادرة إليها في أول الوقت والخروج إلى الجامع وإن بعد كان أفضل . والأفضل في أوقات ضرورة المحتاج إلى المساعدة بالجاه أو البدن أو المال الإشتغال بمساعدته وإغاثة لهفته وإيثار ذلك على أورادك وخلوتك"
والأفضل في وقت قراءة القرآن جمعية القلب والهمة على تدبره وتفهمه حتى كأن الله تعالى يخاطبك به فتجمع قلبك على فهمه وتدبره والعزم على تنفيذ أوامره أعظم من جمعية قلب من جاءه كتاب من السلطان على ذلك