أما لماذا يستطيع الإنسان اكتشاف القوانين الطبيعية المادية التى تحكم حياته، ولا يستطيع اكتشاف القوانين الخلقية الاجتماعية، فإن الأمير سعيد يذهب أن الإجابة على هذا السؤال تكمن في الفرق بين الجانب المادي والجانب الإجتماعي الإنساني. فالإنسان يستطيع بموضوعية وعن طريق الملاحظة والتجربة، أو ما يسمى بالعلوم التجريبية اكتشاف القوانين المادية؛ ولكن الإنسان عاجز عن اكتشاف القوانين الإجتماعية لأن عوطفه تتحكم في تعامله في بحثها، كما أنه لا يملك القدرة على إخضاع المجتمعات البشرية للملاحظة والتجربة الموضوعية التى يستطيع أن يخضع بها الماديات. ومن رأي الأمير سعيد أن فشل الغرب في القوانين الاجتماعية أفضل مثال على عجز الإنسان في هذه الناحية. [42]
مفكرو شبه القارة الهندية
اصطدمت الثقافة الإسلامية في شبه الجزيرة الهندية على ضعفها، بالفكر الأوربي بعد أن احتلتها بريطانيا وأحكمت قبضتها عليها، بعد فشل ثورة المسلمين الهنود في عام 1857. وقد ظهرت تيارات كثيرة تحاول الخروج بالمسلمين من هذه الأزمة، ورغم بروز عدد من المفكرين المشاهير في معظم هذه التيارات، إلا أن قلة منهم فقط تعرضت لمسألة الحاكمية مباشرة، وإن كان كثير منهم قد تناول عموميات الحكم الإسلامي والخلافة. فسيد أحمد خان (1817- 1889) مؤسس التيار العصراني، كان همه المحافظة على المسلمين باستسلامهم للإنجليز، فبشر بفكرة قريبة من فكرة المسيحين الأوائل، ألا وهي المقاومة السلبية والولاء للسلطة الحاكمة، باعتبارها من قدر الله الذي لا ينبغي أن يقاوم أو يعارض. [43] ولكن التيار العصراني لم يكن تيارا متجانسا في أفكاره، فقد كتب أحد أبرز مفكريه السيد أمير علي عن نظام الإسلام السياسي، فذهب إلى أن الشريعة تمثل نوعا من الدستور المهيمن على سلطة الخليفة التنفيذية والإدارية، ولا يستطيع أن يتجاوزها. ولكنه لم يتعرض مباشرة لقضية الحاكمية. ثم جاء من بعده المفكر صلاح الدين خدا بخش من نفس التيار العصراني المتحرر، فذهب إلى نقيض ما ذهب إليه أمير على. فقد كتب خدا بخش في مقالة عنوانها (المفهوم الإسلامي للحاكمية) [44] ، وزعم أن الحكم الإسلامي معيب من ناحية الحاكمية، إذ لا تملك الحكومة المسلمة أى سلطة لتغيير الشريعة الإسلامية، فهي بذلك أضعف من مثيلاتها في الغرب التى تملك حق التشريع تغيير القانون. ثم زعم أن الشريعة ليست جامدة بل متغيرة، ودعا إلى تحرير التشريع من سلطان الدين وفصل الدين عن السياسة.
لكن مثل هذه الدعوات لم تجد رواجا بل كان التيار الإسلامي غالبا، ونشطت في هذا المجال بعد انهيار الخلافة العثمانية، الحركة التى عرفت باسم حركة الخلافة الإسلامية. ولكن هذه الحركة لم تمس مسألة الحاكمية إلا مسا خفيفا، ومن ذلك خطب قائد الحركة مولانا محمد على جوهر، التى تنضح منها فكرة أن الله هو الحاكم، وإن لم يفصل في المسألة كثيرا. [45] وحتى المفكر المشهور محمد إقبال (1876 - 1938) لم يسهب في الحديث عن هذه المسألة، وإن كانت كتاباته تتضمن مفهوم حاكمية الله. فقد عبر بوضوح أن نظام الإسلام يقوم على دعامة مبدأ التوحيد، الذي من مقتضياته أن شريعة الله هي العليا، ولا توجد سلطة بجانبها غير سلطة تفسيرها. [46]
المودودي وحاكمية الله
وإذا كانت فكرة حاكمية الله متضمنة في هذه الكتابات الأولى عند مفكري شبه الجزيرة الهندية وغيرهم، إلا أن المودودي مؤسس الجماعة الإسلامية، قد صرح بهذه الفكرة وجعلها الأساس لنظام الإسلام السياسى، ومنه ذاعت الفكرة وشاعت في العالم الإسلامي، حتى أصبحت حجر الأساس في فكر الحركات الإسلامية المعاصرة. فما نظرية الحاكمية عند المودودي؟
ينطلق المودودي في التأصيل لرأيه من مبدأ التوحيد، الذي جعله إقبال كما ذكر سابقا الأساس الذي يقوم عليه نظام الإسلام. يقدم المودودي شرحا لمعنى مصطلح الإله والرب، وكيف أن كثيرا من البشر يدفعهم حب السلطة إلى إدعاء الألوهية والربوبية على الناس إما مباشرة أو بواسطة، ويجعلون ذلك وسيلة لاستعباد الناس وقهرهم على الانقياد والطاعة. ثم يخلص من ذلك إلى القول:
"وإذا نظرت إلى المجتمع البشري من هذه الوجهة، استيقنت نفسك أن منبع الشرور والفساد الحقيقي إنما هو ألوهية الناس على الناس، إما مباشرة أو بواسطة، وهذه هي النظرية المشؤومة ... هي أصل كل المصائب والدمار، وهي أصل جميع ما مني به البشر اليوم من البؤس والشقاء، وهذا هو الداء الذي أفسد أخلاق البشر وروحانيتهم وقواهم العلمية والفكرية، وأكل منية الناس وحياتهم الاجتماعية وسياستهم ومعايشهم." [47]
وإذا كان الأمر كذلك فإن صلاح المجتمع البشري إنما هو بعقيدة التوحيد التى جاء بها الرسل جميعا صلوات الله عليهم وسلامه. ويشرح كيف أن عقيدة التوحيد هي أن أساس النطرية السياسية الإسلامية فيقول: