فهرس الكتاب

الصفحة 15217 من 27364

"هذه العقيدة هي روح ذلك النظام الذي أسس بنيانه الأنبياء عليهم السلام، ومناط أمره وقطبه الذي تدور رحاه حوله، وهذا هو الأساس الذي ارتكزت عليه دعامة النظرية السياسية في الإسلام، وهي أن تنزع جميع سلطات الأمر والتشريع من أيدي البشر منفردين ومجتمعين، ولا يؤذن لأحد منهم أن ينفذ أمره في بشر مثله فيطيعوه، أو ليسن قانونا لهم فينقادوا له ويتبعوه، فإن ذلك أمر مختص بالله وحده لا يشاركه فيه أحد غيره، كما قال هو في كتابه: ?إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم? (سورة يوسف: 40) ... فهذه الأيات تصرح بأن الحاكمية لله وحده وبيده التشريع." [48]

ولكن ما معنى الحاكمية التى يختصها المودودي بالله وحده. يشرح هو فهمه للحاكمية فيقول عنها:

"تطلق هذه الكلمة على السلطة العليا والسلطة المطلقة، على حسب ما يصطلح عليه اليوم في علم السياسة، فلا معنى لكون فرد من الأراد - أو مجموعة من الأفراد أو هيئة مؤلف منهم - حاكما إلا أن حكمه هو القانون، وله الصلاحيات التامة والسلطات الكلية غير المحدودة لينفذ حكمه في أفراد الدولة؛ وهم مضطرون إلى طاعته طوعا أو كرها. وما هناك من شئ خارجي يحد صلاحياته في الحكم غير إرادته ومشيئته هو نفسه، والأفراد ليس لهم بإزائه حق من الحقوق. وكل من له شئ من الحقوق منهم فإنما هو منحة جاد بها عليه حاكمه، وكل حق يسلبه هذا الحاكم ينعدم بنفسه، لأنه لا ينشأ كل حق فطري إلا لأن الشارع قد أنشأه، فإذا سلبه الشارع لم يعد حقا من الحقوق حتى يطالب به. إن القانون يسن بإرادة صاحب الحاكمية ويجب على الأفراد طاته، وأما صاحب الحاكمية نفسه فما هناك من قانون يقيده ويوجب عليه الطاعة، فهو القادر المطلق في ذاته، ولا يجوز سؤاله فيما أصدر من أحكام من الخير أو الشر ولا عن الصواب أو الخطأ. فكل ما يفعله هو الخير ولا يحل لأحد ممن يطيعه أن يعده من الشر ويرفضه. وكل ما يفعله هو الصواب ولا يحل لأحد ممن يتبعه أن يرى فيه شيئا من الخطأ. فلا بد أن يعترف له الجميع بكونه سبوحا قدوسا منزها عن الخطأ، بصرف النظر عما إذا كان كذلك أم لم يكن." [49]

فإذا كان هذا فهم المودودي وتصوره للحاكمية، فمن الطبيعى أن ينسب هذه الحاكمية بكل خصائصها لله عز وجل لا ينازعه فيها أحد من البشر. لكن من الواضح أن المودودي هنا يستقي فهمه للحاكمية من تصورات المفكرين الغربيين الأوائل من أمثال بودين وأوستن وغيرهم. ولكن من الواضح أن تلك نظرة جزئية للحاكمية في الغرب وليست كلية. وهي صورة مثالية لم تتحقق قط في الواقع كما سلف القول عنها. ومن الواضح أيضا أن مثل هذا التصور يدفع المرء للتساؤل عن مكانة البشر في مثل هذا النظام الذي تكون فيه الحاكمية بكل معانيها لله، مع أن البشر في واقع الأمر هم المنوط بهم تنفيذ أحكام الله. يجيب المودودي نفسه على التساؤل حين يقرر، أن القرآن يستعمل كلمة الخلافة لكل من قام بالحكم في الأرض تحت حاكمية الله تعالى، فليست هذه القوة أو السلطة بيد البشر بالحاكم الأعلى، ولكنها نائبة عن الحاكم الأعلى - وهو الله عز وجل. ويذهب ليفصل نظرية الخلافة حسب ما يراها، فيؤكد أنها خلافة عمومية، بمعنى أن كل المؤمنين يتمتعون بها، وليست هي خاصة بفرد أو أسرة أو طبقة من الطبقات، ولكنها عامة بكل الأمة. [50] ويجعل هذه الخلافة العمومية أساسا للديمقراطية في الإسلام، التي تختلف بذلك عن الديمقراطية الغربية التى تجعل الحاكمية العليا والمطلقة للشعب. أما الإسلام فهو قد جعل الحاكمية العليا والمطلقة لله عز وجل"وخول للمسلمين حاكمية شعبية مقيدة، تحت سلطة الله القاهرة وحكمه الذي لا يغلب، ولا تتألف السلطة التنفيذيه إلا بآراء المسلمين، وبيدهم يكون عزلها من منصبها، وكذلك جميع الشئون التي لا يوجد عنها في الشريعة حكم صريح لا يقطع فيها بشئ إلا بإجماع المسلمين." [51] ومن الملاحظ هنا أن المودودي قد اضطر للاعتراف للبشر بنوع من الحاكمية، أسماها الحاكمية الشعبية المقيدة، مخالفا بذلك ما قرره أولا أنه ليس للبشر أي حق في الحاكمية.

المفكرون المصريون

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت