فهرس الكتاب

الصفحة 15218 من 27364

مصر هي البلد الثالث التي يتجه إليها البحث في تطورفكرة الحاكمية عند المسلمين المعاصرين. وأول ما يستوقف النظر بحث علمي في المسألة، لم ينل شهرة كبيرة بل ظل مجهولا عند الكثيرين، وهو رسالة دكتوراة قدمت في باريس عام 1917، للباحث أحمد السقا بعنوان (الحاكمية في القانون العام عند المسلمين) . [52] وقد زعم فيها أن الإسلام يفرق بين الحاكمية والسلطة، فالحاكمية بمعنى السلطة العليا والمطلقة فهي لله عز وجل، ومن أهم مظاهرها حق التشريع، الذي بينه الله في القرآن والسنة، التي يحكم البشر بموجب ما فيها من أحكام. ومن أجل تنفيذ حكم الشريعة أقام الله الولاية العامة، وهي سلطة عامة ولكنها ليست عليا ولا مطلقة، ولا ينبغي أن تساوى بمفهوم الحاكمية المعروف في الفكر الغربي. ويفرق السقا بوضوح بين الحاكمية العليا المطلقة التي يستعمل لها لفظ الربوبية، وبين السلطة البشرية المقيدة بتنفيذ أحكام الله في الأرض، ويطلق عليها لفظ الولاية العامة. ويقول أنه يجوز أن نطلق على الولاية بصورة غير دقيقة لفظ الحاكمية، ولكنها ينبغي أن تفهم على أنها ليست السلطة العليا المطلقة، بل هي الولاية ذات السلطة المقيدة. [53]

بهذه النظرة الثاقبة استطاع أحمد السقا أن يقدم حلا لمشكلة الحاكمية قبل أن يحتدم الجدل حولها في العالم الإسلامي، ولكن صوته لم يكن عاليا ولا مسموعا عند الكثيرين.

سلطة الأمة

وعند البحث في آراء المفكرين المصريين، يبدو أن فكرة الحاكمية الشعبية التي نادى بها روسو، هي التي وجدت عندهم رواجا في بادئ الأمر، حتى أن الباحث القانوني الشهير عبد الرزاق السنهوري ادعى أن الإسلام عرف مبدأ الحاكمية الشعبية حتى قبل أن يكتب عنها روسو. وأول من يبدأ بهم في هذا المجال من هؤلاء المفكرين الشيخ رشيد رضا، الذي تحدث عن مبدأ سلطة الأمة في رسالته عن الخلافة [54] التي نشرها بعد سقوط الخلافة العثمانية، في محاولته لإحيائها وتجديدها. وقد جعل رضا سلطة الأمة أحد القواعد السياسية الهامة في الإسلام حين يقول:

"أما السياسة الاجتماعية المدنية فقد وضع الإسلام أسسها وقواعدها، وشرع للأمة الرأي والاجتهاد فيها، لأنها تختلف باختلاف الزمان والمكان وترتقي بارتقاء العمران وفنون العرفان، ومن قواعده فيها أن سلطة الأمة لها، وأمرها شورى بينها، وأن حكومتها ضرب من الجمهورية، وخليفة الرسول فيها لا يمتاز في أحكامها على أضعف أفراد الرعية، وإنما هو منفذ لحكم الشرع ورأي الأمة." [55]

ويسرد الشيخ رشيد رضا الادلة على مبدأ سلطة الأمة في الإسلام، ويعتمد على أمور: منها مسألة الشورى التى جاء الأمر بها في القرآن موجها إلى جماعة المؤمنين جميعهم، حين وصفوا بقوله تعالى: (وأمرهم شورى بينهم) . والدليل الثاني عند رشيد على سلطة الأمة هو حجية الإجماع والأحاديث الدالة على أن الأمة لا تجتمع على ضلالة. أما الدليل الثالث فهو أمر القرآن بطاعة (أولي الأمر) ، وهم في رأي رشيد رضا أهل الحل والعقد، وليسوا فقط الأمراء أو العلماء وإن كان هؤلاء بالضرورة منهم، ولكنهم يشملون كل من كان له نفوذ ورئاسة في المجتمع ودراية بمصالح المسلمين. والأمر بطاعتهم يعني أن لهم سلطة، ومن تلك السلطة اختيار ولي الأمر وعزله. [56] وإن كان أهل الحل والعقد في زمن الصحابة هم من وجدوا في المدينة، إلا أنه لا بأس أن تتبع طريقة الانتخابات في العصر الحاضر لاختيارهم، وسوف تكون لمجلسهم السلطة التشريعية وسلطة اختيار وعزل السلطة التنفيذية. [57] ومع أن رضا يرى أن سلطة الأمة عند المسلمين تتشابه مع المبدأ الغربي، إلا أن هناك فروقا جوهرية، من أهمها أن سلطة الأمة ليست فوق الشريعة بل مقيدة بها، ولقد فقد المسلمون سلطانهم واستقلالهم باستيراد القواينين الأوربية العلمانية. والفرق الجوهري الثاني هو أن سلطة الأمة ليست مبنية على القومية مثل ما يدعو إليه البعض في تركيا آنذاك من الحاكمية الملية القائمة على العصبية الجنسية. [58]

ونادىالشيخ حسن البنا مؤسس حركة الأخوان المسلمين بمبدأ سلطة الأمة أيضا، ومن أقوال البنا في المسألة:

"وقد قرر الإسلام سلطة الأمة وأكدها ، وأوصي بأن يكون كل مسلم مشرفاً تمام الإشراف علي تصرفات حكومته ، يقدم لها النصح والمعونة ويناقشها الحساب ، وهو كما فرض علي الحاكم أن يعمل لمصلحة المحكومين بإحقاق الحق وإبطال الباطل فرض علي المحكومين كذلك أن يسمعوا ويطيعوا للحاكم ما كان كذلك ، فإذا انحرف فقد وجب عليهم أن يقوموه علي الحق ويلزموه حدود القانون ويعيدوه إلي نصاب العدالة." [59]

ويقول أيضا في موضع آخر:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت