"إن الباحث حين ينظر إلى مبادئ الحكم الدستوري التي تتلخص في المحافظة على الحرية الشخصية بكل أنواعها ، وعلى الشورى واستمداد السلطة من الأمة وعلى مسئولية الحكام أمام الشعب و محاسبتهم على ما يعملون من أعمال ، وبيان حدود كل سلطة من السلطات، هذه الأصول كلها يتجلى للباحث أنها تنطبق كل الانطباق على تعاليم الإسلام ونظمه وقواعده في شكل الحكم . ولهذا يعتقد الإخوان المسلمون أن نظام الحكم الدستوري هو أقرب نظم الحكم القائمة في العالم كله إلى الإسلام، وهم لا يعدلون به نظاماً آخر." [60]
ويفصل البنا في رسالة منفصلة الأسس التى يقوم عليها نظام الحكم في الإسلام، ويجعل ما أسماه إرادة الأمة ركنا أساسيا لهذا النظام . وعن هذا يقول:
"وأما عن احترام رأى الأمة ، ووجوب تمثيلها واشتراكها في الحكم اشتراكاً صحيحاً ، فإن الإسلام لم يشترط استبانة رأى أفرادها جميعاً في كل نازلة ، وهو المعبر عنه ، في الاصطلاح الحديث بالاستفتاء العام ، ولكنه اكتفى في الأحوال العادية (بأهل الحل والعقد) ولم يعينهم بأسمائهم ، ولا بأشخاصهم. والظاهر من أقوال الفقهاء ووصفهم إياهم أن هذا الوصف ينطبق على ثلاث فئات هم: الفقهاء المجتهدون الذين يعتمد على أقوالهم في الفتيا واستنباط الأحكام، وأهل الخبرة في الشؤون العامة، ومن لهم نوع قيادة أو رئاسة في الناس كزعماء البيوت والأسر وشيوخ القبائل ورؤوساء المجموعات . فهؤلاء جميعاً يصح أن تشملهم عبارة"أهل الحل والعقد .
ولقد رتب النظام النيابي الحديث طريق الوصول إلى أهل الحل والعقد بما وضع الفقهاء الدستوريون من نظام الانتخابات وطرائقه المختلفة ، والإسلام لا يأبى هذا التنظيم ما دام يؤدى إلى اختيار أهل الحل والعقد ، وذلك ميسور إذا لوحظ في أي نظام من نظم تحديد الانتخاب صفات أهل الحل والعقد ، وعدم السماح لغيرهم بالتقدم للنيابة عن الأمة ." [61] "
ولم يذكر الشيخ البنا في رسائله وكتبه أية إشارة لحاكمية الله، لتى أصبحت هي العقيدة الرائجة لجماعة الإخوان لاحقا كما سيأتي، وإن كان قد ادعى محمد قطب أن قضية حاكمية الله قد اتضحت في حس البنا في أيامه الأخيرة، ولكنه لم يمهل حتى يرسخ هذا المعنى في قلوب أتباعه، واستدل على ذلك بمقال للبنا منشور في أيامه الأخيرة بعنوان بعنوان"معركة المصحف - أين حكم الله؟"يقول فيه:
"الإسلام دين ودولة ما في ذلك شك. ومعنى هذا التعبير بالقول الواضح أن الإسلام شريعة ربانية جاءت بتعاليم إنسانية وأحكام اجتماعية، وكلت حمايتها ونشرها والإشراف على تنفيذها بين المؤمنين بها، وتبليغها للذين لم يؤمنوا بها إلى الدولة، أي إلى الحاكم الذي يرأس جماعة المسلمين ويحكم أمتهم. وإذا قصر الحاكم في حماية هذه الأحكام لم يعد حاكماً إسلامياً. وإذا أهملت الدولة هذه المهمة لم تعد دولة إسلامية. وإذا رضيت الجماعة أو الأمة الإسلامية بهذا الإهمال ووافقت عليه لم تعد هي الأخرى إسلامية....، ومهما ادعت ذلك بلسانها." [62]
ولكن ما يقرره البنا هنا هو أن الحكم بالشريعة أمر لازم للحكم الإسلامي، وهو مطلب أساسي من مطالب دعوته، لكنه لم يصرح بمبدأ حاكمية الله ولا يفهم من مقاله المستشهد به أنه يقصده. ويأتي السؤال ما الذي أدى لتحول فكر الإسلاميين لتبني مبدأ حاكمية الله، وهو ما يبحث عنه في السطور التالية.
حاكمية الله
بدأ مبدأ حاكمية الله يتبلور تدريجيا في فكر الإسلاميين في مصر، وكان في المرحلة مختلطا بفكرة سلطة الأمة. وأحسن من يمثل مرحلة الاختلاط هذه المفكر عبد القادر عودة، أحد قادة الإخوان المشهورين. فقد كتب في كتابه (الإسلام وأوضاعنا السياسية) [63] مؤيدا لمبدأ سلطة الأمة ، وساق نفس الحجج التي ساقها رشيد رضا للتدليل على إسلامية المبدأ، وخصص فصلا كاملا في كتابه عن الشورى باعتبارها ركنا أساسيا لتحقيق مبدأ سلطة الأمة. ولكنه في ذات الوقت جعل الالتزام بالشريعة الإسلامية أمرا لازما للحكم الإسلامي ورفض القوانين الوضعية وحكم ببطلانها، ومع أن هذا لم يكن أمرا جديدا مثل ما جاء في مقالة الشيخ البنا المشار إليها سابقا، إلا أن عبد القادر عودة نحى في الدفاع عن الالتزام بالشريعة وبطلان القوانين الوضعية منحى جديدا حين تساءل عن من يملك الحكم؟ وكانت إجابته على ذلك أن الحكم لله خالق السموات والأرض والناس وحاكمهم. ثم انتقل من ذلك ليقول أن الله تعالى قد جعل للبشر الخلافة، ثم فصل القول في الفرق بين الإسلام والديمقراطية، منتهيا لنفس الرأي الذي انتهى إليه المودودي، من أن الله الذي يملك سلطة الحكم حقيقة قد حدد سلطة كل من الحكومة المسلمة والمحكومين، إذ ليس لهم إلا الالتزام بأحكام الشريعة وعدم الخروج عن حدودها، بخلاف الديمقراطية الغربية التى يكون للبشر فيها حرية مطلقة في التشريع.