فهرس الكتاب

الصفحة 15220 من 27364

وفي المرحلة الثانية خلصت فكرة حاكمية الله من كل ما يشوبها، وأصبحت عقيدة راسخة في فكر الإسلاميين في مصر وغيرها. وفي هذه المرحلة ظهر تطور جديد في تناول القضية. فمن ناحية استخدمت كلمة الحاكمية كمصطلح جديد في اللغة العربية مرادف لمفهوم الحق المطلق للتشريع في الدولة كما شاع في الغرب. ومن جانب آخر جعلت الحاكمية أمرا خالصا لله تعالى لا ينازعه فيها أحد، وجعل من شرائط الإسلام أن يعترف الناس بهذه الحاكمية لله بهذا المفهوم، وزعم أن من لا يسلم بذلك فهو غير مسلم. وقد كان سيد قطب من أشهر من نادى بمبدأ حاكمية الله، وكانت محورا أساسيا في فكره وكتبه، وقد أشاعها ونشرها بقلمه الأدبي المؤثر، وبما لاقي بسببها من سجن وتضحيات، حتى أنه ضحى بحياته في سبيلها وأعدم بسبب أفكاره. ونستهل فكره عن الحاكمية بهذا الاقتباس من موسوعته في ظلال القرأن في تفسيره لقول الله تعالى"إن الحكم إلا لله . أمر ألا تعبدوا إلا إياه . ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون" (سورة يوسف: 40) ، إذ يقول:

"إن الحكم لا يكون إلا لله. فهو مقصور عليه سبحانه بحكم ألوهيته؛ إذ الحاكمية من خصائص الألوهية . من ادعى الحق فيها فقد نازع الله سبحانه أولى خصائص ألوهيته؛ سواء ادعى هذا الحق فرد أو طبقة أو حزب أو هيئة أو أمة أو الناس جميعا في صورة منظمة عالمية . ومن نازع الله سبحانه أولى خصائص ألوهيته وادعاها فقد كفر بالله كفرا بواحا ، يصبح به كفره من المعلوم من الدين بالضرورة ، حتى بحكم هذا النص وحده !"

وادعاء هذا الحق لا يكون بصورة واحدة هي التي تخرج المدعي من دائرة الدين القيم ، وتجعله منازعا لله في أولى خصائص ألوهيته - سبحانه - فليس من الضروري أن يقول:ما علمت لكم من إله غيري ؛ أو يقول:أنا ربكم الأعلى ، كما قالها فرعون جهرة . ولكنه يدعي هذا الحق وينازع الله فيه بمجرد أن ينحي شريعة الله عن الحاكمية ؛ ويستمد القوانين من مصدر آخر . وبمجرد أن يقرر أن الجهة التي تملك الحاكمية ، أي التي تكون هي مصدر السلطات ، جهة أخرى غير الله سبحانه . . ولو كان هو مجموع الأمة أو مجموع البشرية ." [64] "

لعل من الواضح أن سيد قطب هنا يقصد بالحاكمية السلطة التشريعية، ولكنه فيما يبدو يقصد بالتشريع معنى أوسع من مجرد سن القوانين، يقول:

"ولا بد أن نبادر فنبيّن أن التشريع لا ينحصر فقط في الأحكام القانونية - كما هو المفهوم الضيق في الأذهان اليوم لكلمة الشريعة - فالتصورات والمناهج، والقيم والموازيين، والعادات والتقاليد ... كلها تشريع يخضع الأفراد لضغطه." [65]

ويأتي التساؤل عن دور البشر في مثل هذا النظام، فيجيب سيد بالتفريق بين مصدر السلطة الذي هو الله سبحانه، وبين مزاولة السلطة التي هي بيد البشر، وذلك حين يقول:

"والأمة في النظام الإسلامي هي التي تختار الحاكم فتعطيه شرعية مزاولة الحكم بشريعة الله ؛ ولكنها ليست هي مصدر الحاكمية التي تعطي القانون شرعيته . إنما مصدر الحاكمية هو الله . وكثيرون حتى من الباحثين المسلمين يخلطون بين مزاولة السلطة وبين مصدر السلطة . فالناس بجملتهم لا يملكون حق الحاكمية إنما يملكه الله وحده . والناس إنما يزاولون تطبيق ما شرعه الله بسلطانه ، أما ما لم يشرعه الله فلا سلطان له ولا شرعية ، وما أنزل الله به من سلطان ." [66]

الحاكمية في الميزان

يصل البحث إلآن إلى محاولة تمحيص الحقيقة عن الحاكمية، بعد هذا العرض السابق لتطور فكرة الحاكمية في الغرب، ومفاهيم المسلمين المتقدمين للسلطة وتصوراتهم لها، ومفاهيم المسلمين المعاصرين لقضية الحاكمية حسب مفهومها المعاصر. ولعله قد تبينت من ذلك العرض مجموعة من الحقائق يمكن إجمالها فيما يأتي:

أولا: أن مفهوم الحاكمية في الغرب له دلالات كثيرة، مرتبطة بالظروف التي نشأت فيها نظرياتها، ولا تنفك عن مبدأ قومية الدولة ومبدأ وضعية القوانين. وقد تهاوت فكرة الحاكمية المثالية التقليدية التي تراها سلطة مركزية عليا مطلقة، بسبب التطورات الواقعية التي غيرت من طبيعة الدولة المعاصرة، وأتاحت لعدد كبير من المؤسسات أن تكون لكل منها سلطة عليا في حدود دائرتها.

ثانيا: قدم المسلمون المتقدمون تصوراتهم عن طبيعة السلطة في الدولة، وعبروا عنها بمصطلحاتهم، ولكنهم لم يستخدموا كلمة الحاكمية في تعبيراتهم. ومن الممكن وجود بعض إشارات في كتاباتهم فريبة من اللمفاهيم المعاصرة للحاكمية، من مثل وصف الملك بخصائص العموم والعلو بحيث"لا يكون فوق يده يد".

ثالثا: انتقلت تصورات الغرب للحاكمية للمسلمين المعاصرين، لكنهم اختلفوا في حقيقة الحاكمية في الإسلام. فمنهم من ألصق بالإسلام بأنه مناصر لمبدأ الحاكمية الشعبية، ذاهبين إلى تأكيد مبدأ سلطة الأمة وحقها في الشورى في شؤون الحكم، من اختيار الحاكم وعزله وغير ذلك من القرارات العامة. ومنهم من رأى أن الحاكمية لا تكون للبشر بل يختص بها الله عز وجل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت