فهرس الكتاب

الصفحة 15221 من 27364

وبامعان النظر في هذه الاختلافات بين المسلمين المعاصرين في مكانة الحاكمية في الإسلام، لا يبدو أن السبب في ذلك اختلافهم في تفسير الإسلام وفي تفاصيل نظامه السياسي. بل يبدو أن السبب الرئيسي في هذا الاختلاف هو فهمهم وتصورهم لمعنى الحاكمية. ذلك أن الحاكمية في الغرب نفسه لها مدلولات كثيرة، وقد أخذ كل مفكر مسلم معاصر بما تصوره أنه حقيقة الحاكمية. وفي نهاية المطاف لا يجد المرء بين المسلمين المعاصر ثمة اختلاف يذكر في فهمهم للنظام السياسي الإسلامي. فالكل يقر بمبدأ تحكيم الشريعة الإسلامية في الدولة المسلمة، والكل يؤمن بضرورة الشورى وحق المحكمومين فيها.

وفي ضوء ذلك لا بد من التقرير أن الفكرة الشائعة من أن الحاكمية لله تعالى ليست إلا عبارة عامة تحتاج إلى نوع من التفصيل. أو من الممكن القول أنها"كلمة حق"قد يراد بها باطل إن قصد منها نفي كل حكم أو حاكمية للبشر، مثل ما وصف به علي بن أبي طالب رضى الله عنه قول الخوارج أن (لا حكم إلا لله) حين نفوا فكرة التحكيم. ولقد تبين في عرض فكر المودودي السابق، كيف أنه اضطر- مع مناداته بحاكمية الله تعالي - بالاقرار للبشر بحاكمية محدودة، أسماها الحاكمية الشعبية المقيدة. وكذلك يتضح أن سيد قطب قدم محاولة لتفصيل رأيه، بالتمييز بين ما أسماه مصدر السلطة الذي هو الله تعالى، وبين مزاولة السلطة التي لا بد أن تكون بيد البشر.

وهكذا يبدو من ذلك أن استعمال مصطلح الحاكمية الغربي المعاصر هو سبب المشكلة. فهل يصلح هذا المصطلح للتعبير عن نظام الإسلام، أم أنه ينبغي طرحه بالكلية؟ لا شك أن مصطلحات المسلمين المتقدمين كانت كافية للتعبير عن تفاصيل النظام السياسي الإسلامي. فمن ناحية هناك الربوبية والألوهية، وهي بلا شك خاصة بالله تعالى. وتشمل الربوبية إحلال الحلال وتحريم الحرام، وهو أمر واضح معروف بيّنه الحديث الذي رواه الترمذي عن عدي بن حاتم قال: أتيت صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب من ذهب . فقال: ( ما هذا يا عدي اطرح عنك هذا الوثن ) وسمعته يقرأ في سورة [ براءة ] "اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم"ثم قال: ( أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئا استحلوه وإذا حرموا عليهم شيئا حرموه. ومن ناحية هناك الملك وهو سلطة بشرية، وتكون خلافة إذا تقيدت بالشريعة الإسلامية كما تقدم في تعريف ابن خلدون السابق. فاستعمال هذه المصطلحات الإسلامية ليس فيه لبس ولا غموض.

لكن استعمال مصطلح الحاكمية الغربية المعاصر فيه لبس وفيه غموض. فإما أن يطرح بالكلية ولا يستعمل ويكتفى بالمصطلحات الإسلامية. أو يستعمل استعمالا غير دقيق، مع تعريف المعنى المقصود به تعريفا كاملا لا يوقع الناس في لبس أو غموض.

[1] أنظر الفصل الثالث في F. H. Hinsely، Sove r eignty، Camb r idge 1986

[2] نفس المصدر ص: 100؛ وص: 95-89 فيA. P. D`Ent r eves، The Notion of the State، Oxfo r d، 1967

[3] ص: 82-379 W. T. Jones، Maste r s of Political Thought، Edinbu r gh، 1960،

[4] ص: 227، 234، 312 في Thomas Hobbes، Leviathan، Middlesex

[7] بودين، المصدر السابق، ص: 159.

[17] نفس المصدر ص 200.

[22] انظر Stankiewicz، op. cit.،

[23] المقدمة، عبد الرحمن بن خلدون، تحقيق عبد الواحد وافي، القاهرة، الطبعة الثالثة، 1980، ج 2 ص 574.

[24] نفس المصدر ج 2 ص 576 - 578.

[25] الأحكام السلطانية، أبو الحسن الماوردي، القاهرة، 1973، ص 5.

[26] الجامع الصحيح، اسماعيل أبو عبد الله البخاري، تحقيق مصطفي ديب البغا، بيروت، 1987 ج 3 ص 1273؛ صحيح مسلم، مسلم بن الحجاج، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، بيروت، ج 3 ص 1473.

[27] الإنافة في معالم الخلافة، أحمد بن عبد الله القلقسندي، الكويت، 1964، ص 17.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت