فهرس الكتاب
يستعمل كثير من الناس التعددية الدينية لتعنى التعايش السلمي بين الأديان تحت شعار عالم واحد للجميع [1] . ومما يجدر ذكره هنا أن تاريخ أوربا مثخن بالجراح من النزاعات والحروب الدينية ، و استضعاف المخالفين ليس فقط من غير المسيحين من يهود أو مسلمين ، بل بين طوائف المسيحية نفسها ، ولا تزال بعض النيران مشتعلة مثل ما يحدث في ايرلندا وأرض البلقان . ولم يضعف هذا الظلم إلا بعد أن كانت الغلبة للعلمانية التى همشت الدين وجعلته محصورا على المجال الخاص وحرمت عليه المجال العام ، وتبنت حرية المعتقد والعبادة للجميع. وفي ظل العلمانية وتحت كنف حمايتها وجدت التعددية الدينية التى تسمح بالتعايش السلمى بين الأديان أوبين طوائف الديانة الواحدة . ويقدم هذا النموذج للعالم على أنه الأمثل لحل مشكلة التنوع الدينى ، ولكن نظرة فاحصة لهذا النموذج تكشف عيوبه . فمن ناحية لا توجد مساواة بين الأديان أو طوائف الديانة الواحدة في كثير من بلدان الغرب مع دعواها التعددية الدينية ، إذ تعطى كثيرا من هذه البلاد وضعا مميزا لبعضها دون بعض . فبعض الكنائس تتمتع باعتراف الدولة بها وجعلها من مؤسساتها وتمويلها كليا أوجزئيا دون الكنائس الأخرى أو الأديان الأخرى ، مثل الكنيسة الانجليزية في انجلترا أو الكاثوليكية في ايطاليا أو اللوثرية في بعض البلاد الاسكندنافية . وتتفاوت البلاد الغربية في موقفها من بعض حقوق الأقليات الدينية مثل حق التعليم الدينى ، سواء كان في السماح به في مدارس الدولة أو السماح بإنشاء مدارس دينية خاصة ، ففى فرنسا وأمريكا مثلا المدارس كلها من المؤسسات العامة ولا يسمح فيها بالتعليم الدينى ، بينما تسمح بعض البلدان بالتعليم الدينى داخل المدارس لطائفة خاصة دون الطوائف الأخري مثل الحال في كثير من ولايات ألمانيا . أما الاعتراض الجوهرى لجعل العلمانية الحارس للتعايش السلمى بين الأديان وطوائفها ، هو الطعن في الحيادية التى تدعيها . ذلك أن أهم مسوغ يقدمه المفكرون الأحرار في الغرب لجعل العلمانية في منزلة القوامة على ضمان التعايش السلمى بين الأديان هو حيادها ، ولكن هذا الحياد المزعوم للعلمانية لا يسنده لا دليل نظري ولا وافعى ، بل هو كما يصفه أحد الكتاب الغربيين ليس إلا أسطورة . ويمضى للقول أن العلمانية لها تصورها للحقيقة وللقيم الأخلاقية ولمناهج الحياة مثل كل تصور ومنهج آخر تقدمه الأديان ، وإعطاء العلمانية سلطة الهيمنة على غيرها من المناهج هو نوع من الاستبداد على غيرها والظلم له [2] . وكثيرا ما يحتدم النزاع والصراع بين العلمانية والدين في بعض السياسات وخاصة في المسائل التي تمس الأخلاق، ولكن الدين في الغالب مسلوب الحقوق والإرادة وما عليه إلا أن يسلم بالأمر الواقع .
والحوار الدينى مظهر آخر من مظاهر التعددية الدينية التى يشيعها الغرب ، وقد ابتدرته الكنائس المسيحية ثم انضمت إليهم الأديان الأخرى ، حتى أصبح حركة عالمية نشطة خلال مائة سنة من تاريخه [3] ، لها مجالسها ومؤتمراتها العلمية ومراكزها الدراسية في الجامعات ، ويحظى باهتمام رسمى وشعبى . ومن ثمرات هذا الحوار كسر الحوجز بين القادة الدينين ، وإتاحة منبر للقاء والتشاور، وإسماع العالم رأي الدين في بعض المشكلات العالمية . ولكن كثيرا من المشاركين فيه أنفسهم يلاحظون أنه قليل الأثر ، إذ لا يتعدى دائرة الأقوال والبيانات والتصريحات ، ومحصور في النخبة وليس له أي امتداد في القواعد ، ويتحاشى الدخول في مواجهة جادة حول الأسباب الحقيقة للكراهية والعداء المتأصل في النفوس ويكتفى بالمجاملات والمظاهر .
وأهم اوجه التعددية الدينية الغربية ذلك الذي يقوم على الرأي القائل أن جميع الأديان مرآة للحقيقة وأنها جميعها حق . وهذه النظرة هى التى تتفق تماما مع مبدأ تعددية الحقيقة الذي سبق توضيحه والذي يعد ركنا أساسيا للتعددية الفلسفية الغربية ، وتعكس أيضا النظرة السائدة وسط الحداثة الغربية من أن الدين يمكن إعادة تفسيره وتأويله وتنقيته من موروثات العصور االماضية ليتواءم مع العصر الحاضر . وبانتشار مبادئ العصرانية التى تقوم بمهمة صياغة فهم عصري للدين وسط كل الأديان وخاصة اليهودية والمسيحية والإسلام [4] ، تجد التعددية الدينية بهذا المعنى قبولا اوسع كل يوم ، بل وقد أصبحت هدفا من أهداف الحوار والتقارب الدينى . ومن الرواد لهذا الاتجاه المفكر اللاهوتي الإنجليزي جون هيك ، الذي يدعو إلى أنه لا يمتلك أي دين من الأديان الحقيقة الكاملة ، بل ليس أي دين إلا محاولة للاقتراب منها ، وعليه فإن كل الأديان متساوية في معرفتها الجزئية بالحقيقة ، وليس بعضها أحق من بعض في إدعاء الحقيقة [5] . ولا شك أن كثيرا من المتدينين الملتزمين يرفضون هذه الدعوة باعتبارها متناقضة وهدم للدين بالكلية .