فهرس الكتاب
لا شك أن الصحابة وأبناءهم أفضل من يزيد وأصلح، ولكن مع ذلك فإن معاوية ربما رأى في ولده مقدرة لم تكن لغيره في قيادة الأمة، بسبب عيشته المتواصلة مع أبيه، ومناصرة أهل الشام وولائهم الشديد له، ثم اطلاعه عن قرب على معطيات ومجريات السياسة في عصره وقد أنس معاوية رضي الله عنه من ولده يزيد حرصاً على العدل، وتأسياً بالخلفاء الراشدين، فقد كان يسأله عن الكيفية التي سيسير بها في الأمة فيرد عليه يزيد بقوله:"كنت والله يا أبة عاملاً عمل عمر بن الخطاب".
لقد كان معاوية رضي الله عنه يدرك أن كثيراً من المزايا موزعة بين الشباب القرشي، وأن هذه المزايا مع تلك الطموحات الشخصية التي ظهرت فيما بعد ربما تدخل الأمة في حروب وفتن كثيرة، فمع أن يزيد يشارك بعضهم في بعض ما يمتازون به إلا أنه يمتاز عليهم بأعظم ما تحتاج إليه الدولة، أي القوة العسكرية.
بيد أن معاوية يرى هذا التدبير على ما فيه من غمط حقوق الكفاءة للخلافة أضمن لسلامة الدولة، وتتقى به شرور قد تستطير بين الناس كلما مات لهم خليفة، أو قوي أعداؤه فأرادوا استلاب الخلافة منه، ويخشى إذا ظل المسلمون على تناحرهم، أن يجمع أعداؤهم شملهم، ويعيدوا الكرة عليهم في صميم جزيرة العرب، والله أعلم ما تكون النتيجة على الإسلام والمسلمين.
ولايُتهم الإمام في هذا الأمر وإن عهد إلى أبيه أو ابنه لأنه مأمور على النظر لهم في حياته، فأحرى أن لا يحتمل فيها تبعته بعد مماته، خلافاً لمن قال باتهامه في الولد والوالد، أو لمن خصص التهم في الولد دون الوالد.
فإنه بعيد عن الظن في ذلك كله، لا سيما إذا كانت هناك داعية تدعو إليه من إيثار مصلحة، أو توقع مفسدة، فتنتفي الظنة عند ذلك رأساً، كما وقع في عهد معاوية لابنه يزيد، وإن كان فعل معاوية مع وفاق الناس له حجة في الباب.
قال ابن بطال:"وعقد الخلافة من الإمام المتولي لغيره بعده جائز على عامة المسلمين لإطباق الصحابة ومن معهم على العمل بما عهده أبو بكر لعمر، وكذا لم يختلفوا في قبول عهد عمر إلى الستة: وهو شبيه بإيصاء الرجل على ولده لكون نظره فيما يصلح أتم من غيره فكذلك الإمام"
لقد كان ابن عباس يشهد ليزيد بالفضيلة، وبايعه، وكذلك بايعه ابن عمر، ولم يبق إلا الحسين بن علي الذي كان رضي الله عنه يغرر به أهل الفتن في حياة معاوية، ونهاه الحسن عنهم، وعزم على الذهاب لهم بعد وفاة معاوية، وقد حذره الصحابة ونهوه عن ذلك فأبى عليهم وحدث ما حدث.
أما ابن الزبير رضي الله عنه عنه فكان معاوية يحذره من تصرفاته، ثم تمنى أخيراً بعد الحصار أن معاوية حياً فيخلصه مما هو فيه، وندور المخالف معروف.
معاوية رضي الله عنه وولاية المفضول مع وجود الفاضل .
لقد عدل معاوية عن الفاضل إلى المفضول حرصاً على الاتفاق واجتماع الأهواء، الذي شأنه أهم عند الشارع، ولا يظن بمعاوية غير هذا ؛ فعدالته وصحبته مانعة من سوى ذلك.
لقد كان النجباء من أبناء الصحابة كثير، منهم: ابن عمر وابن عباس وابن الزبير والحسين بن علي وعبد الله بن عمرو بن العاص وغيرهم ، ولم يكن أبناء الصحابة فيما بينهم يجمعون على شخصية واحدة، فهذا ابن عباس لم يبايع ابن الزبير بعد وفاة يزيد بن معاوية ومبايعة كثير من الأقطار له. بل كان يوجه إليه الانتقادات ويلومه في بعض أعماله.
وكذلك محمد بن الحنفية، وابن عمر لم يبايعا ابن الزبير، إذاً فمن الذي يضمن تراضي جميع الأطراف على شخصية واحدة؟!
لقد اشترط الفقهاء شروطاً عديدة فيمن يصلح للإمامة من ضمنها القرشية، والاجتهاد، والعدالة، والعلم والقوة، والسياسة، والحنكة، وحسن التدبير وغيرها.
ويروى عن الإمام أحمد إسقاط اعتبار العدالة والعلم والفضل.
والذي يظهر من سيرة عمر في عمّاله الذين كان يؤمرهم في البلاد، أنه كان لا يراعي الأفضل في الدين فقط، بل يضم إليه مزيد المعرفة بالسياسة مع اجتناب ما يخالف الشرع منها، فلأجل هذا استخلف عمرًا ومعاوية والمغيرة بن شعبة، مع وجود من هو أفضل من كل منهم في أمر الدين والعلم، كأبي الدرداء في الشام وابن مسعود في الكوفة.
ويروى عن صلى الله عليه وسلم أنه قال:"إني لأبعث الرجل وأدع من هو أحب إلي منه، ولكن لعله يكون أيقظ عيناً وأشد بأساً أو قال مكيدة".
ولهذا كان صلى الله عليه وسلم يستعمل خالد بن الوليد على الحرب مع أنه أحياناً يعمل ما ينكره صلى الله عليه وسلم وكان أبو ذر أصلح منه في الأمانة، والصدق، ومع ذلك فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم"يا أبا ذر إني أراك ضعيفاً وإني أحبُ لك ما أحب لنفسي: لا تأمرن على اثنين، ولا تولين مال يتيم".
فنهى أبا ذر عن الإمارة والولاية لأنه يراه ضعيفاً.
وكذلك استعمل أبو بكر خالد بن الوليد، مع أنه يرى منه هفوات، ولم يعزله من أجلها ، بل ذلك لرجحان المصلحة على المفسدة في بقائه.
ونزع شرحبيل بن حسنة وقال:"تحرجنا من الله أن نقرك وقد رأينا من هو أقوى منك".