فهرس الكتاب
وحسماً للخلاف الذي ربما أدى بالأمة إلى نزاعات جديدة، وفتح ثغراث في كيانات الدولة، نظر معاوية إلى ابنه يزيد على أنه المرشح الذي سيحظى بتأييد أهل الشام الذين يمثلون العامل الأقوى في استقرار الدولة. وقد أبرز معاوية رضي الله عنه السبب الذي دعاه لاختيار ابنه يزيد وذلك أثناء جمع التأييد له من كبار أبناء الصحابة رحلته الأخيرة للحج، إذا كان الدافع لمعاوية رضي الله عنه عندما سارع في أخذ البيعة ليزيد هو خوفه من الاختلاف، الذي قد يطرأ على الأمة بعد موته، وربما تنخرط في قتال جديد لا يعلم سعته ومداه إلا الله عز وجل .
ثانياً: السبب الاجتماعي (قوة العصبية القبلية) :
لقد خاض معاوية رضي الله عنه الحرب، وتولى الخلافة بنصرة من أهل الشام، وكانوا من أشد الناس طاعة لمعاوية ومحبة لنبي أمية.
كانت عندهم نظرة متأصلة تجاه أهل المدينة وأهل العراق، بأنهم السبب في قتل خليفة المسلمين عثمان بن عفان رضي الله عنه .
ومن الدلائل على تلك الطاعة والمحبة هو أن معاوية رضي الله عنه لما عرض خلافة يزيد بن معاوية على أهل الشام وافقوا موافقة جماعية ولم يتخلف منهم أحد، وبايعوا ليزيد بولاية العهد من بعد أبيه .
هل كان أهل الشام يرضون بأن يتولى الخلافة أحد غير بني أمية، بالمقابل هل سيرضى كثير من أهل العراق أن يتولى الخلافة رجل من غير آل البيت؟ لقد كان هناك شعور قوي بأهمية بقاء الخلافة في بني أمية، وفي بلادهم.
فمثلاً لما بايع بعض أهل الشام لابن الزبير اعترض كثير من أشراف أهل الشام على ذلك وقالوا: إن الملك كان فينا فينتقل إلى أهل الحجاز لا نرضى بذلك.
وكانت الدولة الإسلامية في بدايتها - أي في عصر الخلفاء الراشدين - يسيطر عليها الوازع الديني ، إلا أنه منذ خلافة معاوية كانت العصبية قد قويت، والوازع الديني قد ضعف في النفوس واحتيج إلى الوازع السلطاني والعصباني، فلو عهد إلى غير من ترتضيه العصبية لردت ذلك العهد وانتقض أمره سريعاً، وصارت الجماعة إلى الفرقة والاختلاف.
إن نظرة ابن خلدون هذه واستنتاجه لجدير بالاحترام والتأييد، وخصوصاً وأن ابن خلدون خاض الحياة السياسية ودخل في غمارها، فاستنتاجه هذا مبني على تجربة، هو أدرى بظروفها ونتائجها.
وبالذات فإن منعطفات السياسة، يكتنفها في الغالب الغموض وعدم الوضوح، فليس بوسع أي شخص أن يدرك هذه الحقائق منذ الوهلة الأولى.
ثم لا ننسى قوة قبيلة كلب من حيث الوجود والكثرة بين قبائل أهل الشام، وهم أخوال ليزيد.
وإذا أردنا أن نميز قوة القبيلة وبالذات قبيلة كلب، ودورها في تقرير السلطة، لنتذكر ما عمله حسان بن مالك بن بحدل سيد قبيلة كلب وهو من أخوال يزيد، هذا الزعيم القبلي هو الذي شد الخلافة لمروان بن الحكم فيما بعد.
ويذهب إبراهيم شعوط إلى إعذار معاوية فيما اتخذه من العمل على أخذ البيعة ليزيد فيقول:"لما كانت العصبية والقوة في بني أمية، فقد أصبح تصرف معاوية بتولية يزيد أمراً طبيعياً يقره المنصفون ويحرص عليه العقلاء".
ثم إنه من الناحية العلمية كان نقل الخلافة من الأمويين إلى غيرهم في ذلك الوقت مطلباً يكاد يكون مستحيلاً، فالولاة على الأقاليم كانوا من بني أمية أو من أتباعهم، وإسناد الخلافة إلى أحد من أبناء الصحابة في الغالب هو عزل لهؤلاء الولاة، وقد يرفض البعض قرار العزل، ثم ستتكرر معارك الجمل وصفين على نطاق واسع.
ومن الدلالة على قوة العصبية في بلاد الشام لبني أمية، أن مروان بن الحكم تمكن من الانتصار بأهل الشام على عمال عبد الله بن الزبير، ثم تبعه بعد ذلك ابنه عبد الملك بن مروان، حتى تمكن من الانتصار بأهل الشام على ابن الزبير وقتله عام 73 رضي الله عنه، ومع ذلك لم نجد أهل الشام انقادوا لابن الزبير، بل إن أهل العراق غدروا بأخيه معصب بن الزبير ومالوا مع عبد الملك بن مروان ، فلماذا لم تجتمع الأمة على ابن الزبير وهو في ذلك الحين لا يشاركه أحد في فضائله ومكانته ؟ بل نجد العكس: أن عبد الملك بن مروان الذي يعتبر في السن كأحد أبناء عبد الله بن الزبير، تمكن من تولي زعامة المسلمين.
ثالثاً: أسباب شخصية في يزيد:
لقد تجلت في يزيد بعض الصفات الحسنة من الكرم والمروءة والشجاعة والإقدام، والقدرة على القيادة، هذه المزايا جعلت معاوية ينظر ليزيد نظرة إعجاب وإكبار وتقدير.
وليس معاوية ذلك الرجل الذي يجهل صفات الرجال ومكانتهم، وهو ابن سلالة الإمارة والزعامة في مكة، ثم هو الذي قضى أربعين سنة من عمره، وهو يسوس الناس، ويعرف مزايا القادة والأمراء والعقلاء، ويعرف لكل واحد منهم فضيلته.