فهرس الكتاب

الصفحة 15306 من 27364

وكانت بلاد الشام بقيادة معاوية رضي الله عنه تمثل هذا التيار المعارض، وكان يسيطر على أهل الشام شعور جارف بوجوب الانتقام من قتلة عثمان الذين يمثلون قطاعاً من جيش علي رضي الله عنه، وحدث القتال والفرقة، وقتل من قتل من المسلمين، وهنا ظهرت فرقة الخوارج التي تكفّر المسلمين وتستحل قتالهم، وفرقة الشيعة التي بدأت تغالي في علي وأبنائه رضي الله عنهم.

وأمام هذا التغيّر في بعض معتقدات وأفكار فئة من المجتمع الإسلامي، حتمت الظروف وواقع المجتمع -في تلك الفترة- على معاوية أن يعيد النظر ويتبصر فيمن سيكون خليفة للمسلمين من بعده .

فأهل الشام الذين انتصروا لقتل عثمان رضي الله عنه أثبتوا أنهم أناس مخلصون لمبادئهم وأهدافهم، لهذا حقق بهم معاوية -بإرادة الله- انتصاراته على أهل العراق.

وأهل العراق الذين ينضوي تحت قبائلهم الثوار المتهمون بقتل عثمان رضي الله عنه لم يربط بينهم روابط دينية محددة، فيوجد في صفوفهم الخوارج الذين يستحلون دماء المسلمين، ويوجد الشيعة التي تبلورت لديهم نظرة متطرفة حول الإمامة، وأصبح البعض منهم يرى أن الخلافة إنما هي قصر على آل البيت دون سواهم، وأصبح مذهبهم يميل إلى السرية ، علاوة على كثرة أهل الشقاق، ومحبي الفتن في هذا الإقليم، والذين كانوا أحد الأسباب في خذلان علي رضي الله عنه، وكانوا مصدر أذى وبلاء عليه وعلى أبنائه من بعده .

وأما أهل الحجاز، ففيهم الصحابة وكبار التابعين، أهل الفقه والراسخون في العلم ويعتبر الحجاز في تلك الفترة المكان الذي يمثل الإسلام أحسن تمثيل، فلا يوجد فيه أصحاب العقائد الفاسدة، ولم تظهر فيه المنكرات والبدع، وكانت بيئة أهل الحجاز بيئة علم ودين وتقى لوجود الصحابة وأبنائهم في كل من مكة والمدينة.

ويبرز من أهل الحجاز أبناء الصحابة الكبار أمثال الحسين بن علي، وعبدالله بن الزبير، وعبد الله بن عمر، وعبد الرحمن بن أبي بكر، كأفضل المرشحين ليتولى أحدهم الخلافة بعد معاوية رضي الله عنهم .

وهنا يبرز سؤال ملح وهو، لماذا إذاً لم يرشح معاوية أحداً من هؤلاء الأربعة ؟

وللإجابة على هذا السؤال فإنه يلزمنا الرد على سؤال آخر يطرح نفسه: وهو من هم أهل الحل والعقد الذين يمكن لهم اختيار الخليفة ومن ثم مبايعته ؟

ولكي لا نبعد عن الحقيقة يمكننا أن نقول: إن تطبيقات النظام السياسي في الإسلام لم تأخذ حقها من الممارسة الطويلة حتى تتضح الصورة بجلاء حول اختيار الخليفة؛ والخلافة وما يتعلق بها من أحكام.

فمن هم أهل الحل والعقد في عهد معاوية؟ أتراهم أهل الشام الذين يمثلون الثقل السياسي والعسكري والقيادي في الدولة؟ أم هم أهل الحجاز؟ وهل يدخل في نطاقهم الأنصار وغيرهم، أم هم قريش فقط ؟

ومن أهل الحل والعقد في العراق، أتراه الأمير المعين من قبل الدولة وأمراء الجند؟ أم هم زعماء القبائل العربية مع ما يمثلون من اختلاف في مشاربهم واتجاهاتهم ؟

ومن يا ترى أهل الحل والعقد في مصر، هل هم العثمانية الذين برزوا كقوة مناصرة لمعاوية وأهل الشام أثناء النزاع بين علي ومعاوية؟ أم يكونوا أمراء الجند ومن ينضم معهم من عليه القوم هناك ؟

في الحقيقة إننا لا نستطيع أن نحدد بدقة أهل الحل والعقد في كل بلد؛ ومن ثم يبدو افتراض أن معاوية سينجح في جمع الكلمة على رجل واحد أشبه بالمستحيل.

فأهل الشام ينظرون لأهل العراق كموطن للثوار الذين اغتالوا عثمان، وليس من المعقول أن يتنازل أهل الشام عن مكاسبهم ومبادئهم التي قاتلوا من أجلها وهي نصرة الخليفة المظلوم والأخذ بثأره .

فكيف يمكن لأهل الشام أن يسمحوا بترشيح شخص يحظى بدعم أهل العراق.

وأهل المدينة خصوصاً وأهل الحجاز عموماً ينظر الشاميون لهم على أنهم يشتركون اشتراكاً فاعلاً في تحمل المسؤولية عن قتل عثمان رضي الله عنه، فقد حوصر أكثر من شهر ثم تسور الثوار المنزل عليه وقتلوه بين أظهر أهل المدينة، فإذاً ليس من المعقول -حسب نظرة أهل الشام- أن يقبلوا بمرشح من أهل المدينة.

هذا تقريب لنظرة أهل الشام لمن سيكون مرشحاً للخلافة من هذه الأقاليم.

ولا تبعد كثيراً نظرة أهل العراق عن نظرة أهل الشام فيمن سيكون خليفة بعد معاوية رضي الله عنه . أهل العراق يؤيدون بقوة الحسين بن علي رضي الله عنه، ومن الصعوبة أن يقتنعوا بشخص آخر يحل محله .

ثم إن الأشخاص المرشحين لن يحظوا بتأييد كامل من أقرانهم، فالأمويون لا يرغبون في تحول الخلافة لشخص من غيرهم، فهم أكبر قبيلة في قريش، وهم أهل السيادة والإمارة، كما أنهم على خلاف مع بعض أبناء الصحابة في المدينة.

ثم إن نفس المرشحين للخلافة الذين يفترض أن الخلافة ستنحصر في أشخاصهم لم يجمعوا أمرهم على شخص بعينه، بل إن كل واحد منهم يرى في نفسه الأحقية والآهلية التي تجعل منه خليفة للمسلمين .

وحتى ابن عمر رضي الله عنه الذي ربما اجتمعت عليه الآراء، ويجمع غالب المسلمين على ترشيحه، موقفه من الخلافة معروف، وهو من أزهد الناس فيها .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت