فهرس الكتاب
، وأمر بالصبر على استئثارهم ونهى عن مقاتلتهم ومنازعتهم الأمر مع ظلمهم ؛ لأن الفساد الناشىء من القتال في الفتنة أعظم من فساد ظلم ولاة الأمر ، فلا يُزال أخف الفسادين بأعظمهما
، ومن تدبر الكتاب والسنة الثابته عن رسول ا صلى الله عليه وسلم واعتبر ذلك بما يجده في نفسه وفي الآفاق علم تحقيق قول الله تعالى ( سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق ) ، فإن الله تعالى يري عباده آياته في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أن القران حق ، فخبره صدق وأمره عدل ( وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم) "."
قلتُ: رحم الله شيخ الإسلام . وقد سبق التنبيه إلى أن عدم الخروج أو المنازعة لا يعني الخضوع أو الركون عن الدعوة وتعليم الناس العلم ، ومواصلة"التصفية"لأحوال المسلمين في جميع المجالات ، و"تربيتهم"على أحكام الإسلام ، فبهذا الفعل والجهد المستمر ، سيجد المسلمون العاقبة الحميدة في الدنيا قبل الآخرة ؛ لأن المسلمين إذا صلحوا فإنهم لن يرضوا بغير حكم الإسلام بديلا ، ولن يجد المنافقون لهم مكانًا بينهم . وليس معنى هذا أن يكون المسلمون كلهم كذلك ، لا .. بل يكفي"مجموعهم"ممن يؤثرون في المجتمع ، كما كان الحال في زمن صلى الله عليه وسلم ، رغم وجود المنافين والجهلة .
لماذا اختار معاوية - رضي الله عنه - ابنه يزيد للحكم ؟!
من الأمور التي يحسن عرضها تكميلا لما سبق: الموقف من تولية معاوية - رضي الله عنه - الحكم من بعده لابنه يزيد ، وهو الأمر الذي شنع به عليه خصومه - وما أكثرهم ! - ، بدءًا من الرافضة المخذولين ، ومن تبعهم من الزيدية والمعتزلة والتنويريين والثوريين . فقد جعل هؤلاء من معاوية - رضي الله عنه - شماعة لفشلهم وخيبتهم ، وشنعوا عليه بأبشع العبارات - والعياذ بالله - ، دون خوف أو ورع ، وتفننوا في اختراع الأكاذيب والحكايات الباطلة التي تخدم غرضهم ، ومن لم يكذب ويفتري صدق ونقل دون تمحيص أو تدقيق . وليس هنا مقام عرض أقوالهم الكاسدة .
أما أهل السنة ، فقد حفظوا لصحابة صلى الله عليه وسلم حقهم ، وكانوا واضحين في موقفهم ؛ حيث لم يدعوا العصمة لأحد منهم ، لكنهم عذروا وأحسنوا الظن ، وكفوا ألسنتهم . ودافعوا عنهم وردوا على خصومهم . وهم يعلمون أن معاوية - رضي الله عنه - ليس من كبار الصحابة وأفضلهم ، ولكنهم اضطروا لتكرار الحديث عنه ، لدفع بهتان خصومه ، ولو سكت أولئك لسكت أهل السنة .
وأما في قضية توليته ليزيد ، فقد تفهم أهل السنة الواقع ، والتمسوا له المعاذير اللائقة به ، لاسيما مع عدم وجود النص الشرعي الذي يُحرم تولية الابن بعد أبيه ، مادام سيحكم بالشرع . ورغم هذا فهم وإن عذروه فإنهم ( عند الاختيار ) لا يعدلون بطريقة الخلفاء الراشدين غيرها . وهذا هو الفرق بينهم وبين أهل الأهواء المشنعين دون بينة ولا برهان ولا فهم للواقع أو عذر لأهل الإيمان .
ولتوضيح ملابسات القضية ، وليظهر عذر معاوية - رضي الله عنه - ؛ فإني أورد هنا ما ذكره الدكتور محمد بن عبدالهادي الشيباني - وفقه الله - من أسباب دعت معاوية لهذا الفعل ، في رسالته"مواقف المعارضة في خلافة يزيد بن معاوية" ( ص 126-140 ) :
قال:"أولاً: السبب السياسي (الحفاظ على وحدة الأمة) :"
يجب أن نعرف أن الظروف التي بويع فيها أبو بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، تختلف اختلافاً واضحاً عن تلك الفترة التي أخذ فيها معاوية البيعة لولده يزيد.
فقد كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه لا يشك أحد في أنه أفضل شخص بعد رسول ا صلى الله عليه وسلم ؛ ولهذا لم يبرز خلاف في أفضليته وأهليته بالخلافة، فشخصيته تحظى بتقدير واحترام المسلمين، وذلك لقاء ما قدمه من تضحيات، وتحمله الآلام في سبيل هذا الدين.
ثم أوصى أبو بكر بالخلافة لعمر بن الخطاب، وهو من هو في الفضل والمكانة، ويعرف المسلمون أنه أفضل شخص بعد أبي بكر، ولهذا انعقدت له البيعة وانقاد المسلمون له ولم يخالفه أحد.
ولما أصيب عمر رضي الله عنه أوصى بأن يكون الخليفة أحد الستة المبشرين بالجنة وهم: (عثمان بن عفان - وعلي بن أبي طالب - والزبير بن العوام - وعبدالرحمن بن عوف- وسعد بن أبي وقاص- وطلحة بن عبيد الله) رضي الله عنهم.
وهنا أصبحت الخلافة محصورة في واحد من هؤلاء الستة، حيث كان لهم من الآهلية والفضيلة والسابقة المحمودة في الإسلام، والبشارة لهم بالجنة، ما يجعل الناس تقر لهم، وتعترف لهم بالفضل والسابقة في الدين.
وبعد استشارة واستقصاء لأراء الصحابة رضي الله عنهم، وقع الاختيار على عثمان رضي الله عنه، وذلك باعتباره أفضل المرشحين الستة لخلافة المسلمين، وبرزت الفتنة في أواخر خلافته، وحوصر وقتل مظلوماً شهيداً رضي الله عنه.
وتولى الخلافة من بعده علي رضي الله عنه ولم يجمع الناس على بيعته، حيث برزت التهم الموجهة له ولأهل المدينة بأنهم تواطؤا، أو تساهلوا مع الثوار حتى قتل عثمان رضي الله عنه بين أظهرهم.