فهرس الكتاب
فتبين أن الأمر على ما قاله أولئك ، ولم يكن في الخروج لا مصلحة دين ولا مصلحة دنيا ، بل تمكن أولئك الظلمة الطغاة من سبط رسول ا صلى الله عليه وسلم حتى قتلوه مظلوما شهيدا ، وكان في خروجه وقتله من الفساد ما لم يكن حصل لو قعد في بلده، فإن ما قصده من تحصيل الخير ودفع الشر لم يحصل منه شيء بل زاد الشر بخروجه وقتله ونقص الخير بذلك ، وصار ذلك سببا لشر عظيم ، وكان قتل الحسين مما أوجب الفتن كما كان قتل عثمان مما أوجب الفتن .
وهذا كله مما يبين أن ما أمر به صلى الله عليه وسلم من الصبر على جور الأئمة وترك قتالهم والخروج عليهم هو أصلح الأمور للعباد في المعاش والمعاد ، وأن من خالف ذلك متعمدا أو مخطئا لم يحصل بفعله صلاح بل فساد ، ولهذا أثنى صلى الله عليه وسلم على الحسن بقوله: إن ابني هذا سيد وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين . ولم يثن على أحد لا بقتال في فتنة ولا بخروج على الأئمة ولا نزع يد من طاعة ولا مفارقة للجماعة .
وأحاديث صلى الله عليه وسلم الثابته في الصحيح كلها تدل على هذا ؛ كما في صحيح البخاري من حديث الحسن البصري: سمعت أبا بكرة رضي الله عنه قال: سمعت صلى الله عليه وسلم على المنبر والحسن إلى جنبه ينظر إلى الناس مرة وإليه مرة ويقول: إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين . فقد أخبر صلى الله عليه وسلم بأنه سيد وحقق ما أشار إليه من أن الله يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين ، وهذا يبين أن الإصلاح بين الطائفتين كان محبوبا ممدوحا يحبه الله ورسوله ، وأن ما فعله الحسن من ذلك كان من أعظم فضائله ومناقبه التي أثنى بها عليه صلى الله عليه وسلم ، ولو كان القتال واجبا أو مستحبا لم يثن صلى الله عليه وسلم على أحد بترك واجب أو مستحب .
ومما ينبغي أن يُعلم أن أسباب هذه الفتن تكون مشتركة فيرد على القلوب من الواردات ما يمنع القلوب عن معرفة الحق وقصده ، ولهذا تكون بمنزلة الجاهلية ، والجاهلية ليس فيها معرفة الحق ولا قصده والإسلام جاء بالعلم النافع والعمل الصالح بمعرفة الحق وقصده ، فيتفق أن بعض الولاة يظلم باستئثار فلا تصبر النفوس على ظلمة ولا يمكنها دفع ظلمة إلا بما هو أعظم فسادا منه ، ولكن لأجل محبة الإنسان لأخذ حقه ودفع الظلم عنه لا ينظر في الفساد العام الذي يتولد عن فعله .
ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: إنكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض
.وفي الصحيح من حديث أنس بن مالك وأسيد بن حضير رضي الله عنهما أن رجلا من الأنصار قال: يا رسول الله ألا تستعملني كما استعملت فلانا ؟ قال: ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض
.وفي رواية للخباري عن يحيى بن سعيد الأنصاري سمع أنس بن مالك حين خرج معه إلى الوليد قال: دعا صلى الله عليه وسلم الأنصار إلى أن يقطع لهم البحرين ، فقالوا: لا إلا أن تقطع لإخواننا من المهاجرين مثلها ، فقال: أما لا فاصبروا حتى تلقوني على الحوض فإنه ستصيبكم أثرة بعدي
.وكذلك ثبت عنه في الصحيح أنه قال: على المرء المسلم السمع والطاعة في يسره وعسره ومنشطه ومكرهه وأثرة عليه
، وفي الصحيح عن صلى الله عليه وسلم عن عبادة قال:بايعنا رسول ا صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في عسرنا ويسرنا ومنشطنا ومكرهنا وأثرة علينا وأن لا ننازع الأمر أهله وأن نقول أو نقوم بالحق حيثما كنا لا نخاف في الله لومة لائم
، فقد أمر صلى الله عليه وسلم المسلمين بأن يصبروا على الاستئثار عليهم وأن يطيعوا ولاة أمورهم وإن استأثروا عليهم وأن لا ينازعوهم الأمر ، وكثير ممن خرج على ولاة الأمور أو أكثرهم إنما خرج لينازعهم مع استئثارهم عليه ولم يصبروا على الاستئثار،ثم إنه يكون لولي الأمر ذنوب أخرى فيبقى بغضه لاستئثاره يعظم تلك السيئات ويبقى المقاتل له ظانا أنه يقاتله لئلا تكون فتنة ويكون الدين كله لله ، ومن أعظم ما حركه عليه طلب غرضه إما ولاية وإما مال
كما قال تعالى (فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون ) ، وفي الصحيح عن صلى الله عليه وسلم أنه قال:ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم رجل على فضل ماء يمنعه من ابن السبيل يقول الله له يوم القيامه اليوم أمنعك فضلي كما منعت فضل ما لم تعمل يداك ورجل بايع إماما لا يبايعه إلا لدنيا إن أعطاه منها رضي وإن منعه سخط ورجل حلف على سلعة بعد العصر كاذبا لقد أعطى بها أكثر مما أعطي
.فإذا اتفق من هذه الجهة شبهة وشهوة ومن هذه الجهة شهوة وشبهة قامت الفتنة ، والشارع أمر كل إنسان بما هو المصلحة له وللمسلمين ؛ فأمر الولاة بالعدل والنصح لرعيتهم حتى قال: ما من راع يسترعيه الله
رعية يموت يوم وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه رائحة الجنة
، وأمر الرعية بالطاعة والنصح ، كما ثبت في الحديث الصحيح: الدين النصيحة ثلاثا ، قالوا: لمن يا رسول الله ؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم