فهرس الكتاب

الصفحة 15303 من 27364

ج - ومحافظة على هذا المنصب الجليل في الأمة ، التي متى ضعف استهانت بهم أعداؤهم ، ومتى قوي خافتهم وهابتهم .

ولا ينبغي أن يُفهم من ذلك أنه الإجلال لأولئك العصاة واحترامهم ، ولا الخوف منهم ، ولا الطمع فيما في أيديهم ، وكسب رضاهم . يدل على ذلك سيرتهم معهم ، وما يلقونه بسببهم من المحن ، وهي مشهورة منشورة ، ومدونة في بطون الكتب"."

وقد أحببتُ أن أذكر هنا كلامًا قيّما لشيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - ، يُلخص فيه طريقة أهل السنة في هذا الباب ، ويُحذر من مخالفتها ، رغم أنه ممن ناله الأذى من حكام المسلمين الجهلة الظلمة ، ولكن هذا ليس مسوغًا له أن ينساق وراء العاطفة ، فلا يعدل في هذه المسألة .

قال - رحمه الله - في"منهاج السنة ، 4/527-544":"ففي الجملة أهل السنة يجتهدون في طاعة الله ورسوله بحسب الإمكان كما قال تعالى ( فاتقوا الله ما استطعتم ) وقال صلى الله عليه وسلم: إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم . ويعلمون أن الله تعالى بعث محمدا r بصلاح العباد في المعاش والمعاد وأنه أمر بالصلاح ونهى عن الفساد ، فإذا كان الفعل فيه صلاح وفساد رجحوا الراجح منهما ، فإذا كان صلاحه أكثر من فساده رجحوا فعله ، وإن كان فساده أكثر من صلاحه رجحوا تركه ."

فإن الله تعالى بعث رسول صلى الله عليه وسلم بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها ، فإذا تولى خليفة من الخلفاء كيزيد وعبد الملك والمنصور وغيرهم ؛ فإما أن يقال يجب منعه من الولاية وقتاله حتى يولى غيره كما يفعله من يرى السيف ؛ فهذا رأى فاسد ؛ فإن مفسدة هذا أعظم من مصلحته ، وقل من خرج على إمام ذي سلطان إلا كان ما تولد على فعله من الشر أعظم مما تولد من الخير ؛ كالذين خرجوا على يزيد بالمدينة وكابن الأشعث الذي خرج على عبد الملك بالعراق وكابن المهلب الذي خرج على ابنه بخراسان وكأبي مسلم صاحب الدعوة الذي خرج عليهم بخراسان أيضا وكالذين خرجوا على المنصور بالمدينة والبصرة وأمثال هؤلاء

، وغاية هؤلاء إما أن يغلبوا وإما أن يَغلبوا ثم يزول ملكهم ، فلا يكون لهم عاقبة ، فإن عبد الله بن علي وأبا مسلم هما اللذان قتلا خلقا كثيرا وكلاهما قتله أبو جعفر المنصور ، وأما أهل الحرة وابن الأشعث وابن المهلب وغيرهم فهُزموا وُهزم أصحابهم فلا أقاموا دينا ولا أبقوا دنيا ، والله تعالى لا يأمر بأمر لا يحصل به صلاح الدين ولا صلاح الدنيا وإن كان فاعل ذلك من أولياء الله المتقين ومن أهل الجنة ، فليسوا أفضل من علي وعائشة وطلحة والزبير وغيرهم ، ومع هذا لم يحمدوا ما فعلوه من القتال ، وهم أعظم قدرا عند الله وأحسن نية من غيرهم ، وكذلك أهل الحرة كان فيهم من أهل العلم والدين خلق ، وكذلك أصحاب ابن الأشعث كان فيهم خلق من أهل العلم والدين ، والله يغفر لهم كلهم .

وقد قيل للشعبي في فتنة ابن الأشعث: أين كنت يا عامر ؟ قال: كنت حيث يقول الشاعر:

عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذ عوى *** وصوت إنسان فكدت أطير

أصابتنا فتنة لم نكن فيها بررة أتقياء، ولا فجرة أقوياء .

وكان الحسن البصري يقول: إن الحجاج عذاب الله فلا تدفعوا عذاب الله بأيديكم ، ولكن عليكم بالاستكانة والتضرع ، فإن الله تعالى يقول: ( ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون ) ، وكان طلق بن حبيب يقول: اتقوا الفتنة بالتقوى، فقيل له: أجمل لنا التقوى،فقال: أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو رحمة الله ، وأن تترك معصية الله على نور من الله تخاف عذاب الله ، رواه أحمد وابن أبي الدنيا.

وكان أفاضل المسلمين ينهون عن الخروج والقتال في الفتنة ؛ كما كان عبد الله بن عمر وسعيد بن المسيب وعلي بن الحسين وغيرهم ينهون عام الحرة عن الخروج على يزيد ، وكما كان الحسن البصري ومجاهد وغيرهما ينهون عن الخروج في فتنة ابن الأشعث ، ولهذا استقر أمر أهل السنة على ترك القتال في الفتنة للأحاديث الصحيحة الثابته عن صلى الله عليه وسلم ، وصاروا يذكرون هذا في عقائدهم ويأمرون بالصبر على جور الأئمة وترك قتالهم ، وإن كان قد قاتل في الفتنة خلق كثير من أهل العلم والدين .

ومن تأمل الأحاديث الصحيحة الثابته عن صلى الله عليه وسلم في هذا الباب واعتبر أيضا اعتبار أولي الأبصار علم أن الذي جاءت به النصوص النبوية خير الأمور ، ولهذا لما أراد الحسين رضي الله عنه أن يخرج إلى أهل العراق لما كاتبوه كتبا كثيرة أشار عليه أفاضل أهل العلم والدين كابن عمر وابن عباس وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أن لا يخرج ، وغلب على ظنهم أنه يُقتل ، حتى إن بعضهم قال أستودعك الله من قتيل ،وقال بعضهم لولا الشفاعة لأمسكتك ومنعتك من الخروج ، وهم في ذلك قاصدون نصيحته ، طالبون لمصلحته ومصلحة المسلمين . والله ورسوله إنما يأمر بالصلاح لا بالفساد لكن الرأي يصيب تارة ويخطيء أخرى .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت