فهرس الكتاب

الصفحة 15338 من 27364

والحديث عن البث المباشر هو الحديث عن الأفلام وما خلفته من ركام، ولا تزال تعبث في أجساد وعقول أمتنا شبابا وشيبا. وقبل الدخول في تفصيل ذلك أضع بين يدي القارئ الحقائق التالية:

1-ذكر الدكتور محمد عبده يماني (36) أن منظمة اليونسكو أجرت دراسة اتضح من خلالها أن 90% من الأخبار التي يتناقلها العالم من إنتاج خمس وكالات عالمية فقط، وهي:

(أسوشيتدبرس) و (يونايتدبرس) و (وكالة الصحافة الفرنسية) و (رويتر) و (تاس السوفيتية) . والأوليان أمريكيتان، والثالثة فرنسية، والرابعة بريطانية، والخامسة سوفيتية.

وانظر إلى هذا الجدول (37) لترى الأمر العجب وموقعنا بين الأمم:

م

اسم الوكالة

عدد البلدان المستفيدة

…عدد الكلمات المبثوثة يوميا

1 …أسوشيتدبرس …108 … (17) مليون كلمة

2 …يونايتدبرس …92 … (11) مليون كلمة

3 …وكالة الصحافة الفرنسية …152 … (3,351,000) كلمة + (50) صورة

4 …رويتر …147 … (1,500,000) كلمة

5 …وكالة الشرق الأوسط …25 … (185) ألف كلمة فقط

ويلحظ ما يلي:

(أ) إن هذه الدراسة قديمة وقد زادت بتطور الإعلام.

(ب) انظر إلى عدد البلدان مع الرقم.

(جـ) تم اختيار وكالة الشرق الأوسط لأنها من أقدم وأشهر الوكالات العربية.

ألقى الشيخ سلمان العودة (38) محاضرة عن أخطار الأفلام وتأثيرها، وذكر خمسة عشر خطرا وقال هي إلى المائة أو إلى المائة والخمسين أقرب، كما قال ابن عباس عن الكبائر عندما سئل هل هي سبع؟ فقال: هي سبعون أو إلى السبعمائة أقرب.

وجميع هذه الأخطار متوافرة في البث المباشر، بل الأمر أعظم من ذلك كما سيأتي.

3-عندما تحدث د / عوض منصور عن البث المباشر (39) اقتبس جملة من حديث مشهور، استدل بها على خطورة البث المباشر وهي:"ويل للعرب من شر قد اقترب" (40) .

أما مجلة اليمامة فقد اختارت للدراسة التي قامت بها عن البث المباشر عنوانا معبرا حيث قالت: (اختراق يقصم الظهر) (41) .

ويقول عبد الرحمن واصل معبرا عن بعض الأخطار: (يبنون ناطحات السحاب على أنقاض صروح الفضيلة) (42) . وهذه العناوين والاختيارات تعبر بالجملة عما سأذكره لاحقا -إن شاء الله-.

على رسلكم:

فوجئت -كما فوجئ غيري- ببعض الأقلام تخرج علينا في عدد من صحفنا ومجلاتنا، لا محذرة من خطورة البث المباشر، ولا طارحة بعض الحلول الوسط كما فعل الكثيرون، وإنما لتهدئ من روعنا، وتخفف من مخاوفنا، وتبشرنا بأن البث المباشر لا يحمل الشر كما نتوقع، وليس فيه ما يعكر صفو الحياة والمبادئ والقيم، كما وصل إليه علمنا. وتقول إننا نهول ونولول على غير هدى وبصيرة. وكما فعلنا بالأمس عندما جاء الراديو، ها نحن نعيد الكرة مرة أخرى، وهذا دأبنا عند كل جديد، وستزول هذه المخاوف عندما تصبح الحقيقة ماثلة أمام أعيننا، جاثمة داخل بيوتنا.

بهذه البساطة طرح أولئك القوم أفكارهم، وأثبتوا أنهم وصلوا إلى مرحلة من النضج لا يفرقون فيها بين تأثير الراديو وتأثير آخر صيحات التلفزيونات العالمية. ولا يدركون الفرق بين مستوى وعي العامة منذ سبعين سنة (43) وبين وعي طلاب العلم في القرن الخامس عشر.

وسأختار نموذجين من هذه الأصوات لأبين إلى أي مستوى وصل إليه بعض مثقفينا، ولأنبه إلى أنه في الوقت الذي يجب أن نعالج فيه مشكلات البث المباشر، يجب أن نباشر معالجة البث الغربي بيننا، وفي داخل صفوفنا، ممن يتكلم لغتنا وينتسب إلى بني جلدتنا:

تكاثرت الضباع على خراش … …فلا يدري خراش ما يصيد

فهذا أولهم يأتينا بما لم تأت به الأوائل ويخبرنا عن بني الأصفر ومدى ارتفاع مستوى أخلاقهم، مما جعلنا نعيد النظر فيما جاءنا عن الثقات، وما رأيناه بأم أعيننا عن أولئك القوم. اقرؤا ما يقول - هداه الله: (44) (إن التقدم الذي يجري على وسائل الاتصال ليس كله شرا، ودول العالم التي تملك هذه التقنية ليست كلها متجردة من القيم والأخلاق والمبادئ، ولعل من يراقب برامج التلفزيون في بعض دول الغرب -مثلا- يجد أنها تضع حسابات دقيقة لمواقيت(45) بعض البرامج، مراعاة للأطفال والمراهقين وغير ذلك من الاعتبارات).

أما الثاني: فقد بين كيف كانت حالته في قريته التى ولد فيها على الفطرة، وكيف أصبح بعد ذلك، بعد أن هدم سور القرية، وذكر كيف انزعج الناس من الراديو عندما قدم، وكيف ارتفعت أصواتهم، وإذا به يصبح أمرا عاديا، وأشار إلى الأصوات التي ترتفع الآن ضد البث المباشر، وكان مما قال (أعتقد لو أن البث الإذاعي المباشر تأخر قرنا آخر لقامت الأصوات ضده حين يشاع عن بدئه، كما تقوم الأصوات الآن ضد البث التلفزيوني العالمي المباشر، الذي نأمل أن يثري ثقافتنا، ويفتح عيوننا وعقولنا، وينقل العالم كل العالم إلى غرفنا الخاصة، وبالألوان وبالمجان) (46) .

وتحدث في مقاله الذي عنون له بما يزلزل القلوب الحية (أهلا بالبث العالمي المباشر) ، وقلنا لعل العنوان للإثارة، ولكن كما قال المثل: (تحت السواهي دواهي) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت