فهرس الكتاب

الصفحة 1556 من 27364

وقد أثبتت الأيام أنه ما من حركة من تلك الحركات أو ثورة من تلك الثورات كانت ذات بأس إلا على قومها رغم دعاوى القومية، ولا كانت ذات جبروت إلا على مواطنيها، مع طنطنات الوطنية، أما الأعداء الحقيقيون فلم يكن أولئك الثوريون يمثلون أمامهم يوماً نموذجاً يبعث على الهيبة فضلاً عن الاحترام.

إن هناك أسباباً موضوعية أوصلت «مشروعات التحرير» إلى التحلل من استحقاقات التغيير الموعود والتحرير المنشود، وأهمها: أن تلك الحركات لم تحمل في الحقيقة مشروعاً حقيقياً للنهوض يليق بتاريخ الأمة وحضارتها ودينها الذي مهما ابتغت العزة بغيره أذلها الله، بل كان الثوريون يحملون خليطاً هجيناً مستهجناً من أفكار الكفار في الشرق الشيوعي، مطعمة بسقطات أصحاب الفلسفات في الغرب الصليبي، وفي ظل ذلك وقع التنافس بين الثوريين و «المحافظين» ، وأخذ أشكالاً عديدة من الصراع وصلت في بعض الأحيان إلى التآمر المتبادل مع قوى «أجنبية» لقلب الأنظمة وتصفية الحسابات، وكان هذا التآمر - ولا يزال - سبباً في استهانة ذلك الأجنبي بكلا الطرفين، وازدرائه بقومية تقوم على قيام كل قوم على إخوانهم.

كانت الأولوية في مهمات الأنظمة العربية الثورية هي محاربة الأنظمة العربية غير الثورية، أو الأنظمة المحافظة التي كان الثوريون يدمغونها بالرجعية، وكانت تلك أيضاً لا تدخر وسعاً في دعم خصوم خصومها، لكي ينوبوا عنها في أدوار النكاية والتنكيل، وبينما كانت عقدة العقد عند الثوريين هي «تصدير الثورة» فقد كان جلها عند المحافظين هو احتكار الثروة، وبين نزق الثورة وجشع الثروة ضاعت الأرض، وجاعت الشعوب، وتفرقت الكلمة.

ولم يدخر «الوحدويون» من التحريريين أي جهد لتمزيق وحدة الأمة - أو ما تبقى من وحدتها -؛ فعبد الناصر مثلاً نكَّل بالإسلاميين في مصر، ومع ذلك تمكن من التفرد بزعامة الساحة الشعبية العربية في النصف الثاني من خمسينيات القرن العشرين، وحاول أن يخطو خطوة على طريق ما كان يسمى بـ (الوحدة العربية) بإقامة كيان (الجمهورية العربية المتحدة) بين مصر وسوريا على أساس القومية الجاهلية العربية، ولكن جاءه من القوميين من يفسد خططه؛ فإذا بالبعث السوري (القومي) ينبعث مسرعاً في منازعته في زعامة القوم، فانسحب ذلك البعث من الوحدة مؤيداً الانفصال، بل بادر البعثيون السوريون إلى تسريح الضباط الموالين لعبد الناصر في الجيش السوري، وأعدموا بعضهم إثر حركة (جاسم علوان) في شهر يوليو / تموز 1963م الذي قاد تمرداً عسكرياً، وطلب من عبد الناصر الحماية، وتقرر بعد ذلك فرض الانفصال بين دعاة الوحدة والتحرر.

وما أن هُزم عبد الناصر بعد ذلك بأربع سنوات - أي في حرب النكسة - حتى انقلبت عليه بقية أخرى من القوميين العرب، وحمّلوه مسؤولية الهزيمة، بل تحول بعضهم من التوجه القومي إلى التوجه الماركسي، فتحولت مثلاً حركة القوميين العرب في اليمن الجنوبي إلى كيان ماركسي تمكن من إقامة دولة شيوعية في جنوب اليمن، فمثلت بذلك سابقة خطيرة في إخضاع شعب مسلم كريم لحكم عصابة من لئام الملحدين، وجرياً على عادة الثوريين المزمنة بتبادل تهم الخيانة؛ بادر المنشقون عن عبد الناصر من القوميين باتهامه بالخيانة بعد أن قَبِلَ بأول مبادرة سلام أمريكية مع اليهود، وهي مبادرة روجرز لعام 1970م (2) .

ولم يكن مصير تيار الناصرية والقومية خارج مصر بأحسن منه في داخلها؛ فقد انقلب رفيق درب عبد الناصر على الناصرية والمعسكر الشرقي، ليختط لنفسه سبيلاً موالياً للغرب، عُرِف بـ «النهج الساداتي» ، وكان أبرز معالم ذلك النهج الجديد (في العهد الثاني للثورة القومية) هو خلع أردية القومية الجماعية، والمبالغة في لبس مسوح الوطنية الفردية التي انعزلت بها مصر سياسياً عن العرب والمسلمين، لتقترب من اليهود والغربيين ضمن أُطر معاهدات السلام المنفردة مع (العدو المصيري) ، الذي لم يجئ الوحدويون التحريريون الثوريون - للأسف - إلا بدعوى مواجهته تحت شعار (قومية المعركة) .

ولم تكن الوحدة العربية أسعد بالتحريريين في سوريا منها في مصر؛ فبعد انقلاب البعثيين في شهر فبراير / شباط عام 1966م، قام وزير الدفاع السوري آنذاك (حافظ الأسد) بحركة انقلابية في نوفمبر / تشرين الثاني عام 1970م، أطاح فيها بزعامة حزب البعث القطرية التي كان على رأسها أمين الحافظ الذي لجأ إلى العراق طوال العهد البعثي، ولم يُسمح له بالعودة إلى سوريا حتى بعد سقوط صدام حسين.

وانشق حزب البعث السوري أيضاً على حزب البعث العراقي بعد انشقاق البعثيين السوريين على أنفسهم، ثم انشق البعثيون العراقيون على أنفسهم، فقاد صدام حسين حركة انقلابية ضد رفاقه البعثيين، وقتل منهم عدداً كبيراً، كان منهم قادة كبار من أعضاء القيادة القطرية في العراق، بل قتل صدام عدداً من أعضاء مجلس قيادة الثورة نفسه، وأمر بعض الرفاق بأن ينفذوا حكم الإعدام رمياً بالرصاص في رفاقهم الآخرين عام 1979م، وقد كانت تهمة البعثيين العراقيين لزملائهم من البعثيين العراقيين الآخرين هي التآمر لحساب البعثيين السوريين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت