فهرس الكتاب

الصفحة 1557 من 27364

أما رفاق التحرر والوحدة في اليمن فلم يكونوا أقل سعياً في تفكيك عُرى الأمة؛ فرغم جعجعاتهم عن الوحدة القسرية المصيرية بين الأمة العربية لم يستطع أولئك (الأحرار) التحرر من نزعة الافتراق والتفرق؛ حتى إن فريقاً منهم اختلفوا في إحدى اجتماعات اللجنة المركزية للحزب الاشتراكي الحاكم، فلم يستطيعوا أن يديروا الحوار بينهم بالكلمات، أو حتى باللكمات؛ فما كان منهم إلا أن أداروا الحوار بينهم بالبنادق والرشاشات، حيث استطاعت الأقلية المعارضة من أعضاء اللجنة المركزية الاشتراكية تصفية شركائها، فقتلت أغلبيتهم في حوار ديمقراطي «تحرري» أسفر عن سقوط حصيلة كبيرة من القتلى.

ملامح العهد التحرري الجديد:

إذا كنا لا نزال نعيش مرحلة انتقالية بين عهدي التحرريين القدامى والتحرريين الجدد القادمين مع مشاريع «التحرر» الأمريكية؛ فلا بد لنا من التعرف على ملامح العهد التحرري الجديد الذي سيسلم فيه قدامى التحرريين مفاتيح المسؤولية طوعاً أو كرهاً للجيل الجديد، الذي سيعيد أو سيساهم في إعادة الاحتلال، وإضاعة ما تبقى من استقلال لصالح المشروعات الأمريكية المعلنة وغير المعلنة في منطقتنا العربية والإسلامية. فلم يعد خافياً أن للولايات المتحدة الأمريكية مشروعاً كبيراً للسيطرة على العالم، ولم يعد خافياً أن هذا المشروع يقوم على نوع من الشراكة والتعاون بين الصهيونيتين اليهودية والنصرانية، ولم يعد خافياً كذلك أن لهذا المشروع آلياته الاستراتيجية، وبرامجه السياسية، وطموحاته الاقتصادية، وطروحاته الحضارية والدينية، ولم يعد خافياً أيضاً أن من وضعوا أسس مشروع السيطرة الأمريكية على العالم باسم (إمبراطورية القرن الأمريكي) قد اختاروا ديار العالم الإسلامي بعربه وعجمه لتكون منطلقاً لذلك المشروع، بعد أن أطلقوا على ذلك العالم الإسلامي اسم (الشرق الأوسط الكبير) ثم (الشرق الأوسع) !

لم يعد هذا ولا ذاك خافياً، أما الذي لا يزال خافياً؛ فهو الخطوات العملية التنفيذية لهذه المشروعات التسلطية من حيث توقيتاتها وطبيعتها المتفاوتة بين الغزو العسكري الخارجي، والانقلابات الداخلية (الديمقراطية) التي سيقودها من يسمون بـ (الإصلاحيين التحرريين) ، وفي كلتا الحالتين فإن الأمريكيين سيحتاجون إلى فريق متكامل من هؤلاء التحرريين الجدد ليكوّنوا حكومات على شاكلة حكومة «التحرير» الكرزاوية (3) ، وحكومة «التحرير» (العلاوية) .

وكما كان الشأن في حكومات التحريريين القدامى؛ فإن مجموعاتهم لن تقتصر على العسكريين، بل سيكون بعض العملاء على شكل سياسيين أو مفكرين أو مثقفين أو حتى رجال دين، لا يجمعهم جميعاً إلا وصف الخيانة لله ولرسوله وللمؤمنين.

ولأن الأمريكيين لن يستطيعوا الانطلاق في مشروعاتهم العالمية إلا من داخل عالمنا العربي والإسلامي؛ فقد كان لزاماً عليهم أن يجهزوا هذا الفريق من المتحررين من المبادئ لكي يعمل كـ «طابور خامس» (4) تحت إمرة المستعمر الأمريكي الجديد.

مهمة الأمريكيين ومن معهم من اليهود في المرحلة القادمة أن يطبقوا المزيد من مشاريع «التحرير» ..! ومهمة المنافقين المتعاونين معهم والموالين لهم أن يقوموا على تنفيذ هذه المشاريع بالأمانة كلها لأعداء الأمة، والخيانة كلها لهذه الأمة.

لن يستطيع الأمريكيون والبريطانيون والإسرائيليون وغيرهم من أعداء الأمة أن يستكملوا مشروعاً واحداً إلا بمعاونة أولئك الخائنين أدعياء التحرر والتحديث، لن يستطيعوا إنجاز ما يريدون أو الباقي مما يريدون في أفغانستان أو العراق إلا بالتعاون معهم، ولن يستطيعوا الانتقال إلى ما يليهما من مشروعات لـ «التحرير» في كل من سوريا ولبنان، والسودان وإيران وغيرها إلا بمساندتهم، ولن يجرؤوا على قطع أشواط أخرى في مشروع (الشرق الأوسط الكبير) أو (الشرق الأوسع) إلا بالتواطؤ معهم، ولن يتمكن اليهود من القفز خطوات أخرى في مشروع (إسرائيل الكبرى) إلا بحبل ممدود لهم من الأمريكان، ومن هؤلاء المنافقين لأنهم (( ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إلاَّ بِحَبْلٍ مِّنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ ) ) [آل عمران: 112] وكل هذا يصب في النهاية لخدمة مشروع التسلط الصهيوني - اليهودي النصراني على العالم؛ فهل يتمكن أعداء الخارج من القفز إلى مآربهم على أكتاف أعداء الداخل كما كان يحدث كل مرة؟

إننا لا نستبعد ذلك؛ وخاصة أن أولئك المنافقين من الأعداء الباطنيين يبالغون في الإخلاص الظاهر لهؤلاء الأعداء بما يجعلهم أكثر عداءً للمؤمنين (( هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ) ) [المنافقون: 4] .

إن مشروعاً جديداً من التآمر على الأمة بالتعاون ما بين الكفار والمنافقين يجري الآن تسويغه تمهيداً لتسويقه، ولا يمكن لمثل هذا المشروع أن يجد طريقه أو بعض طريقه إلى التنفيذ دون اتكاء كامل على فريق متكامل من أولئك المنافقين العلمانيين التحرريين المعادين للعقيدة والدين؛ فما هو هذا المشروع؟

استراتيجية «التحرير» من العقيدة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت