فهرس الكتاب
في سياق حربها المعلنة على العالم الإسلامي لم تستطع الولايات المتحدة أن تخفي الجانب الاعتقادي من تلك الحرب، فأخرجت مؤخراً إلى العلن أطروحات ومشروعات وبرامج تستهدف الدين بشكل مباشر، بعد أن كانت الحرب الدائرة تتدثر أحياناً بالأثواب الأمنية أو الاقتصادية، أو السياسية أو العسكرية باسم حماية المصالح.
وقد كشف في الآونة الأخيرة عن مشروع عدائي جديد يتحدث عنه تقرير تحت عنوان: (الإسلام المدني الديمقراطي.. الموارد والاستراتيجيات) ، والتقرير أو البرنامج أصدره قسم أبحاث الأمن الوطني في معهد راند (5) ، في سانتامونيكا بولاية كاليفورنيا الأمريكية، وبتمويل من مؤسسة (سميث ريتشارد سون) .
والتقرير عبارة عن استراتيجية جديدة ومبتكرة لإطالة أمد الحرب ضد الإسلام، وقد وضعته الباحثة الأمريكية (شريل بيرنارد) المتخصصة في قضايا ما يسمى بـ (تحرير المرأة) في العالم الإسلامي، وهي زوجة رجل المهمات القذرة (زلماي خليل زادة) الأفغاني الأصل، الأمريكي الجنسية، الذي هندس الساحة الأفغانية وهيأها لـ «التحرير» الأمريكي عن طريق ربط خيوط التحالف بين الأمريكيين وتحالف الشمال في أفغانستان، وهو الذي أنيطت به أيضاً مهمة التنسيق بين فصائل المعارضة العراقية العميلة والحكومة الأمريكية لتهيئة الأوضاع في عراق ما بعد صدام، وأنا شخصياً لا أستبعد أن يكون ذلك الزلماي القادم من (مزار الشريف) هو صاحب الدور الأساس في مشروع (الإسلام المدني الديمقراطي) ، فما هي الأسس والمعالم التي يقوم عليها ويتسم بها ذلك المشروع؟ علماً بأن مؤسسة (راند) التي صدر عنها التقرير وثيقة الصلة بوزارة الدفاع الأمريكية التي أصبحت مرتعاً للمحافظين اليهود الجدد الذين يحكمون أمريكا اليوم.
إن التقرير يقوم على ما يلي:
` أمريكا ستظل ملتزمة بنشر قيمها في العالم بوجه عام والعالم الإسلامي بوجه خاص، ولا بد من جهات يمكن التعامل معها داخل البلدان الإسلامية على المدى الطويل.
` التعامل مع (الإسلام السياسي) غير ممكن، ولو بمفهوم التعاون التكتيكي القائم على المصالح.
` لا مناص من تأييد العلمانيين (المنافقين) في البلاد الإسلامية ضد المحافظين (الإسلاميين) .
` الإسلاميون الأصوليون المعارضون للديمقراطية و «القيم» الغربية يجب اعتبارهم أعداء، وبخاصة بعد ما أظهرته أحداث سبتمبر.
` مناصرة العلمانيين ضد الإسلامين تعني تأييد التفسير العلماني للإسلام، ومساعدة العلمانيين على تأسيس منابر لنشر آرائهم، وإبرازهم على أنهم هم من يمثل الإسلام العصري المقبول، أو الإسلام الديمقراطي، باعتبار أن الإسلام (التقليدي) نظام ديكتاتوري!!
` العلمانيون أنفسهم ليسوا على درجة واحدة من الاستعداد للتعاون مع أمريكا؛ فهناك الوطنيون واليساريون الذين يرفضون التعاون، ولذا ينبغي التركيز على «أنصار الحداثة» .
` جوهر الصراع بين العالم الإسلامي والغرب أصبح فكرياً؛ لأن الغرب يتفوق على الشرق الإسلامي في كل شيء، بينما لا ينازعونه المسلمون إلا في مجال الفكر والقيم.
` الحداثة هي ميدان المعركة، والحداثيون والعلمانيون هم عمادها، ومن خلالهم لا بد من وضع تفسير جديد للقرآن؛ بحيث يُستغنى بهذا التفسير عن النقد المباشر للقرآن.
` ولا بد من الاستعانة بالحداثيين والعلمانيين في إعادة تفسير السنَّة والأحاديث، بما يخدم مفاهيم الإسلام «المدني الديمقراطي» ، واعتبر التقرير هذا الأمر مهمة عسيرة جداً، وأطلق عليها (حرب الأحاديث) ؛ لأن المعركة الأساسية في المفاهيم ستكون حولها؛ فالأصوليون - كما يقول التقرير - يستطيعون أن يعارضوا كل تفسير يقدمه الحداثيون والعلمانيون للأحاديث، وسيتمكنون من جذب شريحة العامة وغير المثقفين إلى جانبهم، ولذلك سيحتدم الصراع.
` لا بد من استغلال احتدام هذا الصراع لإشغال كل من الفريقين بالآخر، بما يؤدي في النهاية إلى جو من البلبلة والتوتر الذي تمكِّن من ضرب الاتجاهات الأصولية في الصميم، ولا بد أيضاً من استغلال ممارسات التيار الجهادي لضرب الاتجاهات الأصولية بوجه عام بواسطة الحداثيين والعلمانيين.
` في أثناء المعركة بين الأصوليين والحداثيين ينبغي استخدام شريحة «التقليديين» - أي العامة - ضد الأصوليين، وجذبهم إلى جبهة العلمانيين، ويحذر التقرير من كسب الأصوليين لهذه الشريحة الواسعة البالغة التأثير، ويرى واضعوه أن شريحة التقليديين هي المجال الخصب الذي يعوَّل عليه لتحقيق أطروحة (الإسلام المدني الديمقراطي) ، ولا بد من دعم العلمانيين في عملية كسبهم وجذبهم.
` اقترح التقرير دعم وتشجيع بعض أصحاب المذاهب الإسلامية لمواجهة المذهب السني المتشدد، وفي مقدمة تلك المذاهب: التصوف والتشيع، واقترح أيضاً العمل على توسيع الهوة بين بعض المذاهب السنية نفسها في بعض البلدان باستغلال الخلاف بين الأحناف مثلاً وبقية المذاهب وبخاصة المذهب الحنبلي.