فهرس الكتاب

الصفحة 15601 من 27364

قلت: إن هذا التفسير يخالف اللغة و المشاهدة. فمعلوم أن الإغراق و الصلب و الرمي بالرصاص و الذبح و الشنق و الصعق كلها أساليب للموت و ليست الموت نفسه. فلو أنك رميت شخصاً بالرصاص على رأسه فأصبته و لم يمت لما كان لك أن تقول (لم أرمه بالرصاص و لم أقتله) لأنك فعلياً رميته بالرصاص و لم تقتله. و كذلك لو صعقته بالكهرباء أو أغرقته في الماء أو ذبحته و نجى. فلا يقبل القاضي منك أن تقول لم أغرقه و لم أصعقه و لم أذبحه. لكنه يقبل منك أن تقول (لم أقتله) و حسب.

لذلك نرى الأحكام بالإعدام (شنقاً حتى الموت) أو (رمياً بالرصاص حتى الموت) و هكذا لأن هذه أساليب للموت و ليست الموت نفسه. فكيف بالصلب الذي هو و سيلة طويلة شاقة للموت.

و لا أدري لماذا يطلب منا علي الجوهري أن ندقق في الفعل المبني للمجهول (صُلب) مع أنه لم يرد في الآية الكريمة إلا الفعل الماضي !! و لا أدري كيف يدعي أن الإغراق هو القتل مع أننا نسمع عن إغراق السفن و القوارب. فهل للسفن أرواح كما للبشر؟ فالمعلوم أن الإغراق هو الإنزال قسراً تحت الماء. فإغراق السفن و الركاب يكون بإنزالهم قسراً تحت الماء و لا بد. و قد ينتشل المنقذون تلك السفن فتجري في البحر مرة أخرى. و قد ينقذ الناس أولئك الركاب بعد أن أغرقوا فينجون. و قد ظهر تناقض الجوهري جلياً حين قال (( يجوز أن يكونوا قد شرعوا في قتله بإغراقه.. ) )فهو في جملته هذه يستعمل الإغراق كوسيلة للقتل فقط لا تعني الموت أو القتل نفسه. و لو كان يعني بالإغراق القتل نفسه لجاز لنا أن نسوق جملة الجوهري تلك بقولنا (( يجوز أن يكونوا شرعوا في قتله بقتله ) )و هذا كلام سخيف لا يقوله عاقل. و الأمر نفسه ينطبق على جملة الجوهري التالية (( حيث أنه لم يمت تحت سطح الماء من جراء إغراقهم له ) ). فإن كان الإغراق يعني القتل حقاً فهل لنا أن نصوغ الجملة بقولنا (( حيث أنه لم يمت تحت سطح الماء من جراء قتلهم له ) )؟!!

و من الطريف أنني شاهدت فيلما و ثائقياً عن عمليات جراحة الأعصاب. حيث قام الجراح بفصل رأس قرد عن جسده و تركيب رأس قرد آخر مكانه. و عاش القرد بعدها فترة من الزمن. فهل يجوز للجراح أن يقول و قتها (لم أقطع رأسه و لم أقتله) لمجرد نجاة القرد من الموت؟ فتأمل.

و الأمثلة اللغوية على أن الصلب وسيلة للموت و ليس هو الموت نفسه كثيرة. و نكتفي هنا بكلام أفصح العرب رسول الله صلى الله عليه و سلم. ففي صحيح مسلم حديث عن رسول الله صلى الله عليه و سلم يحكي فيه قصة أصحاب الأخدود. و فيها أن الملك صلب الغلام ثم قام بقتله بعد ذلك. و هو ما يدل على أن الصلب وسيلة للموت و ليس هو الموت نفسه. و هذا جزء من الحديث كما ورد في صحيح مسلم:

(( .. فقال للملك: إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به. قال وما هو؟ قال: تجمع الناس في صعيد واحد وتصلبني على جذع ثم خذ سهما من كنانتي ثم ضع السهم في كبد القوس ثم قل باسم الله رب الغلام ثم ارمني فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني. فجمع الناس في صعيد واحد وصلبه على جذع ثم أخذ سهما من كنانته ثم وضع السهم في كبد القوس ثم قال: باسم الله رب الغلام. ثم رماه فوقع السهم في صدغه فوضع يده في صدغه في موضع السهم فمات. فقال الناس: آمنا برب الغلام آمنا برب الغلام آمنا برب الغلام .. ) ).

و ما دام الصلب أسلوب للموت و ليس هو الموت نفسه فإن نفي الله تعالى لوقوع عملية الصلب هو نفي لوقوع أسلوب الموت و لا بد. فهم لم يرفعوا المسيح عليه السلام على الصليب قط.

و الأناجيل نفسها التي يحتج بها أصحاب نظرية الإغماء تتعامل مع الفعل"صلَبَ"بمعنى التعليق على الصليب بغض النظر عن تحقق الموت من عدمه. و إليك ما تقوله الأناجيل الأربعة:

(1) يقول إنجيل يوحنا:

(( ثم ان العسكر لما كانوا قد صلبوا يسوع اخذوا ثيابه وجعلوها اربعة اقسام لكل عسكري قسما - إنجيل يوحنا 19/23 ) )ثم يقول بعد ذلك بقليل: (( فلما رأى يسوع امه والتلميذ الذي كان يحبه واقفا قال لامه يا امرأة هوذا ابنك - إنجيل يوحنا 19/26 ) ). ثم يقول بعد ذلك (( فلما اخذ يسوع الخل قال قد اكمل .ونكس راسه واسلم الروح - إنجيل يوحنا 19/30 ) ). فجملة (صلبوا يسوع) لم تعنِ لأحد بأنه قد فارق الحياة.

(2) يقول إنجيل متى:

(( ولما صلبوه اقتسموا ثيابه مقترعين عليها - إنجيل متى 27/35 ) ). و بعد عدة أحداث قال متى (( فصرخ يسوع ايضا بصوت عظيم واسلم الروح - إنجيل متى 27/50 ) ). فجملة (صلبوه) لم تعنِ لأحد بأنه قد فارق الحياة.

(3) يقول إنجيل مرقس:

(( ولما صلبوه اقتسموا ثيابه مقترعين عليها ماذا يأخذ كل واحد - إنجيل مرقس 15/24 ) ). و بعد ذلك بقليل يقول مرقس (( فركض واحد وملأ اسفنجة خلا وجعلها على قصبة وسقاه قائلا اتركوا .لنر هل يأتي ايليا لينزله. فصرخ يسوع بصوت عظيم واسلم الروح - إنجيل مرقس 15/36-37 ) ). فجملة (صلبوه) لم تعنِ لأحد بأنه قد فارق الحياة.

(4) يقول إنجيل لوقا:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت